أصحاب الياقات البيضاء

الدكتور عامر محمد وجيه خربوطلي:

رمز عالمي شديد المدلول وعميق الإشارة للأفراد الذين يستطيعون في حياتهم اليومية ارتداء قمصان بيضاء وتبديلها يومياً محافظين بذلك على نظافتها ولونها الناصع مع ما يترتب على ذلك من أعباء وتكاليف بعكس بقية الألوان على سبيل المثال.

إنهم الأفراد القادرون على توفير مبالغ للادخار من دخولهم السنوية بعد تغطية جميع الحاجات والرغبات الاستهلاكية، وهم أصحاب الوظائف العليا والمراتب العلمية والثقافية والمهنية والإدارية والتجارية.

وهم الأكثر إنفاقاً وقدرة على التنظيم والابتكار والتماسك المجتمعي.

وهم الذين يمثلون النسبة الأكبر من المجتمعات العالمية المتطورة والمستقرة.

إنهم ببساطة أفراد الطبقة الوسطى، رافعة التنمية وضامنة الاستقرار الاجتماعي في جميع المجتمعات، وعندما تنخفض باتجاه الطبقات الفقيرة وجزء قليل من الطبقة الغنية، فالأوضاع لن تكون في صالح التنمية والنهوض الاقتصادي والاستقرار المجتمعي.

هذه الطبقة كانت تمثل في سورية تاريخياً العمود الفقري للمجتمع والشريحة الواسعة المرتبطة بالاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

لكنها اليوم تواجه خطر التلاشي والانهيار شبه الكامل، نتيجة تراكم عوامل اقتصادية وسياسية.

فقد شهد حجم الطبقة الوسطى في سورية انهياراً حاداً خلال السنوات الماضية، فقبل عام 2011 تُشير التقديرات إلى أن الطبقة الوسطى كانت تشكل أكثر من 60% من المجتمع السوري، وهي قبل ذلك في مرحلة الخمسينيات كانت تشكل نسبة أكبر ذلك، وكانت تضم حتى الموظفين الحكوميين الذين كانوا يتقاضون رواتب شهرية تعادل بأرقام اليوم حوالي ٣٠ مليون ليرة سورية مقارنة بسعر غرام الذهب آنذاك، وبما يقابله اليوم.

اليوم، بحلول 2025-2026: انخفضت نسبتهم إلى أقل من 10% (وتُقدَّر أحياناً بـ 5% فقط في أفضل الأحوال وفق تقديرات غير رسمية)، مع انضمام الغالبية العظمى منهم إلى فئة الفقراء.

لم تكن هذه الطبقة متجانسة، بل ضمّت شريحة واسعة من أصحاب المهن والفكر والموظفين والمهنيين والمعلمين، الأطباء، المهندسين، المحامين، والمثقفين.

وأصحاب الأعمال والحرفيين المهرة، التجار، الصناعيين، وأصحاب المحال التجارية المتوسطة.

وقد كانت هذه الفئة قادرة على تأمين أساسيات الحياة الكريمة (سكن، تعليم، صحة) مع هامش واضح للادخار.

أدت سنوات الثورة والعقوبات إلى تدمير كبير لرأس المال البشري والمادي، وانهيار شبكات الأمان الاجتماعي.

إذ تآكلت قيمة الليرة السورية، وارتفعت معدلات التضخم ارتفاعاً جامحاً، وتراجعت القدرة الشرائية، ولم تعد متوسطات الرواتب تغطي الحد الأدنى للمعيشة. كما يُشير محللون إلى أن التآكل بدأ قبل الثورة بسنوات بسبب سياسات اقتصادية متناقضة وفساد مستشرٍ. كما أن سياسات التحرر الاقتصادي غير المنضبط والاستثمارات الكبرى جاءت على حساب دعم الشرائح المتوسطة.

إضافة إلى صعود (أثرياء الحرب)، فقد استفادت قلة قليلة من ظروف الحرب والاقتصاد غير الرسمي وشبكات النفوذ، وبنَت ثروات طائلة، مما وسّع الفجوة بشكل هائل.

إن اختفاء الطبقة الوسطى في سورية ليس مجرد إحصائية اقتصادية، بل هو تهديد مباشر لبنية الدولة والاستقرار الاجتماعي. فهذه الطبقة كانت تمثل (الحزام الآمن) الذي يربط بين مختلف فئات المجتمع، ويشكل حاملاً لعملية التنمية وخزاناً للمثقفين والمستهلكين. وتقلصها الشديد اليوم يخلق مجتمعاً منقسماً بين فقراء فقراً مدقعاً وأثرياء قلة، مما يهدد أي فرصة للتعافي والاستقرار على المدى الطويل.

سورية الجديدة، لكي تنهض وتتعافى، بحاجة إلى إعادة الاعتبار إلى الطبقة الوسطى حاملة التنمية وضامنة الاستقرار الاجتماعي.

العدد 1222 - 04/11/2026