سورية في السوق الإقليمية.. هل تعود جسراً تجارياً أم تتحول إلى سوق استهلاكية؟

سليمان أمين:

تقف سورية في صيف 2026 أمام لحظة اقتصادية تتجاوز حدود التعافي الداخلي. فالمسألة لم تعد فقط كيف يمكن لاقتصاد أنهكته الحرب والعقوبات والانكماش أن يستعيد عافيته؟ بل كيف سيُعاد تعريف موقع سورية داخل الخريطة الاقتصادية للشرق الأوسط؟ هل تعود البلاد إلى وظيفتها التاريخية كجسر تجاري يربط الخليج بتركيا والبحر المتوسط بالعراق، أم أن انفتاح الأسواق سيجعلها في النهاية سوقاً واسعة للمنتجات القادمة من الخارج؟

هذا السؤال يبدو اقتصادياً في ظاهره، لكنه في جوهره سؤال جيوسياسي. فالدول لا تتنافس فقط على الحدود والنفوذ السياسي والقواعد العسكرية، إنها تتنافس أيضاً على الممرات التجارية، والطاقة، والموانئ، وسلاسل الإمداد، ومراكز التخزين والتوزيع. وفي هذا السياق، تمتلك سورية ميزة جغرافية لا يمكن تجاهلها: موقعها بين العراق وتركيا والأردن ولبنان، وإطلالتها على المتوسط، وقربها من أسواق الخليج، يجعلها مرشحة لأن تكون واحدة من نقاط العبور الرئيسية في المشرق، إذا توافرت لها البنية التحتية والاستقرار السياسي والقدرة المؤسسية. لكن الجغرافيا وحدها لا تصنع مركزاً تجارياً.

على مدى سنوات، تحولت سورية من بلد منتج ومصدّر، إلى اقتصاد شديد الاعتماد على الاستيراد، مع تراجع القدرة الإنتاجية وتهالك قطاعات صناعية وزراعية واسعة. ولذلك فإن فتح الحدود أمام التجارة والاستثمار، مهما كان ضرورياً، يحمل مفارقة خطيرة: الاقتصاد الذي يحتاج إلى الانفتاح هو نفسه الاقتصاد الذي قد يكون أقل قدرة على منافسة السلع القادمة من الخارج. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

إذا دخلت المنتجات التركية والخليجية والعراقية والأردنية وغيرها إلى السوق السورية بوتيرة أسرع من عودة المصانع والمزارع إلى الإنتاج، فإن الانفتاح قد يتحول إلى عملية استهلاكية أكثر منه عملية تنموية. ستصبح سورية سوقاً جذابة لمئات الشركات الإقليمية، لكن المواطن السوري سيبقى مستهلكاً لا منتجاً، والاقتصاد سيحقق حركة تجارية من دون أن يحقق بالضرورة تحولاً هيكلياً في قدرته على توليد القيمة.

وهذا هو الفارق بين بلد يعبره الاقتصاد وبلد يصنع الاقتصاد.

سورية تستطيع نظرياً أن تستعيد دورها كعقدة لوجستية بين المشرق والأناضول والخليج. لكن ذلك يتطلب أكثر بكثير من فتح الطرق والمعابر. فالطرق التجارية الحديثة تحتاج إلى موانئ فعالة، وشبكات نقل متطورة، ومستودعات ومناطق حرة، ونظام مصرفي قادر على تمويل التجارة، وتشريعات مستقرة، وجمارك سريعة، وقضاء تجاري يمكن الوثوق به. والأهم من ذلك كله، تحتاج الشركات إلى الاعتقاد بأن العقود التي توقعها اليوم ستظل قابلة للتنفيذ غداً. لذلك فإن معركة سورية المقبلة ليست فقط على جذب المستثمر، وإنما على جذب المستثمر المنتج.

فليس كل الاستثمارات متساوية. هناك استثمار يشتري العقارات ويستورد السلع ويعيد بيعها، واستثمار آخر يبني مصنعاً ويوظف العمال وينقل التكنولوجيا ويفتح أسواقاً جديدة أمام الإنتاج المحلي. الأول يمكن أن يخلق حركة مالية سريعة، لكنه لا يغير بنية الاقتصاد. أما الثاني فيمكن أن يعيد تشكيل الاقتصاد نفسه.

وهنا تظهر أهمية العلاقة مع القوى الاقتصادية الإقليمية.

تركيا تنظر إلى سورية باعتبارها جزءاً مهماً من فضائها التجاري والجغرافي، والعراق يمثل سوقاً وعمقاً اقتصادياً مهماً، بينما يمكن للأردن أن يشكل بوابة نحو الخليج. أما دول الخليج، فإنها تملك رأس المال والقدرة الاستثمارية التي تحتاج إليها عملية إعادة البناء. وفي المقابل، تستطيع سورية أن تقدم الموقع والأيدي العاملة والموارد والقدرة على الوصول إلى أسواق متعددة. لكن هذه المعادلة ليست متكافئة بالضرورة.

الدولة التي تدخل السوق الإقليمية وهي ضعيفة إنتاجياً قد تتحول إلى ساحة تنافس بين الآخرين بدلاً من أن تصبح لاعباً بينهم. وقد تجد نفسها أمام نموذج اقتصادي يقوم على استيراد السلع، وتوزيعها، وتحصيل الرسوم، بينما تتجه القيمة المضافة الأكبر إلى الشركات والدول التي تنتج تلك السلع.

وهنا يصبح السؤال السياسي شديد الوضوح: هل تريد سورية أن تكون طريقاً تمر عبره البضائع، أم اقتصاداً تنتج فيه البضائع؟

الفرق بين النموذجين هو الفرق بين الجسر والسوق.

الجسر التجاري الحقيقي لا يكتفي بمرور الشاحنات. إنه يخلق حولها منظومة من الصناعات والخدمات: النقل والتأمين والتمويل والتخزين والتصنيع وإعادة التصدير. وإذا استطاعت سورية بناء هذه المنظومة، فإن موقعها الجغرافي يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة اقتصادية وسياسية. أما إذا اكتفت بالسماح بتدفق السلع المستوردة، فإن الجغرافيا ستتحول إلى فرصة للآخرين أكثر مما هي فرصة للسوريين.

ولا يمكن فصل هذا الملف عن إعادة الإعمار.

فإعادة إعمار سورية ستكون واحدة من أكبر عمليات إعادة تشكيل الاقتصاد في تاريخها الحديث. الأموال التي ستدخل إلى قطاعات البناء والطاقة والنقل والاتصالات والعقار ستحدد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، شكل الاقتصاد خلال العقود المقبلة. ومن هنا فإن السؤال ليس فقط كم مليار دولار سيدخل البلاد، وإنما أين ستذهب هذه الأموال؟ وهل ستبني قدرة إنتاجية سورية، أم ستخلق اقتصاداً يعتمد بصورة دائمة على المقاولين والموردين الخارجيين؟

الاختبار الحقيقي سيكون في قدرة الدولة على بناء سياسة صناعية وتجارية متوازنة: انفتاح محسوب على الأسواق، مع حماية مؤقتة وذكية للقطاعات القابلة للنمو، تسهيل للاستثمار الأجنبي، مع اشتراط نقل المعرفة والتوظيف المحلي, وتطوير للموانئ والطرق والمعابر، بالتوازي مع إعادة بناء الصناعة والزراعة والخدمات. سورية لا تحتاج إلى الانغلاق كي تحمي اقتصادها، لكنها أيضاً لا تستطيع أن تفتح أبوابها بلا استراتيجية. فالاقتصاد المنفتح من دون قاعدة إنتاجية قد يصبح اقتصاداً تابعاً. والاقتصاد المغلق قد يتحول إلى اقتصاد عاجز. أما الخيار الثالث، وهو الأصعب، فيتمثل في تحويل الانفتاح إلى أداة لإعادة بناء الإنتاج المحلي.

في نهاية المطاف، لن تحدد الجغرافيا وحدها مستقبل سورية في السوق الإقليمية. ما سيحدد ذلك هو نوع المؤسسات التي ستبنيها، وطبيعة الاستثمارات التي ستجذبها، وقدرتها على إنتاج سلع وخدمات تنافسية، وليس فقط استهلاك ما ينتجه الآخرون.

سورية أمام فرصة تاريخية، لكنها ليست فرصة مضمونة.

يمكنها أن تصبح ممراً تجارياً بين الشرق والغرب، ومركزاً لوجستياً في المشرق، وقاعدة إنتاج تستفيد من قربها من أسواق متعددة. ويمكنها، في المقابل، أن تتحول إلى سوق كبيرة مفتوحة أمام منتجات الآخرين، فيما يبقى اقتصادها ضعيفاً ومستهلكوها مثقلين بالفقر.

فيما تبقى من 2026، تبدو المعركة الاقتصادية السورية أبعد من سعر الصرف والأسعار والرواتب. إنها معركة على وظيفة سورية نفسها داخل الإقليم. فإما أن تتحول الجغرافيا السورية إلى قوة اقتصادية، أو تتحول إلى مجرد عنوان على خرائط التجارة الإقليمية.

والفارق بين الاثنين لن تصنعه الحدود، بل المصانع.

العدد 1220 - 21/10/2026