أوربا.. نهاية “السلام الطويل” وبداية الاستعداد للحرب
يخبرنا التاريخ الموثّق بأن أوربا شهدت أكثر من ألفي حرب؛ بدءاً من صراعات المدن الإغريقية وصولاً إلى الحرب الروسية – الأوكرانية. وكان هذا نتاجاً لجغرافيتها القائمة على تشرذم الدول التي يتمسك كل منها بحدوده وسيادته، إضافة إلى تباين الانتماءات الإثنية والدينية، والطموحات التوسعية، والصراعات على الموارد وتبدّل التحالفات بصورة متكررة. غير أن هذه الحلقة كُسرت بعد الحرب العالمية الثانية مع قيام التحالفات الحديثة وتعميق التكامل الاقتصادي بين الدول الأوربية، خصوصاً بعد إنشاء الاتحاد الأوربي.
وعاش الأوربيون حالة من التراخي والاطمئنان لعدة عقود؛ معتقدين أن الحروب الكبرى ولّت إلى غير رجعة في قارتهم. وقد بدأت هذه الفترة التي عُرفت باسم (السلام الطويل) بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945، وترسخت بشكل أكبر بعد سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991.
وانعكس هذا التراخي مباشرة على العقيدة العسكرية الأوربية، فقُلّصت الموازنات الدفاعية إلى مستويات قياسية (أقل من 2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي)، وأُلغي التجنيد الإلزامي، وتحولت الجيوش إلى قوات احترافية صغيرة مخصصة لمهمات حفظ السلام الخارجية.
وكانت (الصفعة الأولى) على وجه السلام حرب البوسنة (1992 – 1995) التي اندلعت بعد تفكك يوغوسلافيا. غير أن الأوربيين الذين عجزوا عن وقفها (تولت الولايات المتحدة مهمة فرض السلام) رأوا فيها حدثاً إقليمياً طُويت صفحته.
وجاءت الصفعة الثانية بضم روسيا لشبه جزيرة القرم في آذار (مارس) 2014، لتعقبه الحرب الانفصالية في شرق أوكرانيا بين الناطقين بالروسية والجيش الأوكراني. وتطور هذا الصراع إلى حرب شاملة عندما غزت روسيا أوكرانيا في 24 شباط (فبراير) 2022، فسقط (وهم السلام).
مؤشرات التراجع
تمر أوربا بمرحلة تراجع ملحوظ، خصوصاً في النمو الاقتصادي والاستقرار الديمقراطي والأمن. ورغم أن مستويات المعيشة لا تزال مرتفعة مقارنة بمناطق أخرى من العالم، فإن تراكم الأزمات المتزامنة بدأ يقوض تدريجياً مكاسب تحققت على مدى عقود.
وتبرز في هذا السياق صدمات الطاقة والتضخم التي ولّدتها الأزمات الجيوسياسية، لا سيما الصراع في الشرق الأوسط والاضطرابات التي طالت طرق الشحن العالمية الحيوية. ونتيجة لذلك، خفّضت المفوضية الأوربية توقعاتها للنمو الاقتصادي لعام 2026 إلى نحو 1.1 في المئة فقط، في حين عاود معدل التضخم الارتفاع ليبلغ نحو 3.1 في المئة على مستوى الدول الـ27 الأعضاء في الاتحاد الأوربي.
وأجبر التضخم المرتفع واستمرار ارتفاع تكاليف الطاقة ما يقارب ثلثي الأسر على السعي المستمر إلى تقليص الإنفاق حتى على الاحتياجات الأساسية، وفق عدد من التقارير المتخصصة.
يضاف إلى ذلك أن الفارق بين الاقتصاد الأوربي ومنافسيه يتّسع؛ فضعف نمو الإنتاجية، وشيخوخة القوى العاملة، وارتفاع الدين العام، وتراجع الاستقلالية الاستراتيجية، كلها عوامل تدفع أوربا نحو مرحلة طويلة من النمو البطيء، بمعدلات أدنى بكثير من متوسطاتها التاريخية.
وعلى المستوى السياسي، أورد تقرير الديــمــقــراطيـــــة الصـــــادر عن معهد (V-Dem (Varieties of Democracy) السويدي المرموق، أن (الموجة الثالثة من الاستبداد) (تآكل المؤسسات، وتردّي القوانين الانتخابية، والتضييق على حرية التعبير…) التي يقول علماء السياسة إنها بدأت في عام 2010، باتت تؤثر بعمق في أوربا. وقد صُنّفت 5 دول أوربية؛ هي إيطاليا، وكرواتيا، وسلوفاكيا، وسلوفينيا، والمملكة المتحدة، ضمن الدول التي تشهد تراجعاً ديمقراطياً ملحوظاً.
في موازاة ذلك، يواجه نموذج أوربا القائم على الانفتاح والتكامل، ضغوطاً متزايدة؛ فقد دفعت موجات الهجرة غير النظامية، وتصاعد التوترات الثقافية الداخلية، والانقسامات السياسية، عدداً من الحكومات الأوربية إلى تشديد إجراءاتها الحدودية وإعادة فرض قيود كانت قد خُففت سابقاً.
تصاعد أعباء الدفاع
مع تنامي الأخطار الأمنية الناجمة عن النزاعات الإقليمية، خصوصاً الحرب الروسية – الأوكرانية، راحت الحكومات الأوربية تضخ مليارات اليوروهات لتعزيز موازنات الدفاع وتطوير القدرات العسكرية المشتركة. ورغم أهمية هذه النفقات لتعزيز الأمن، فإنها تستنزف موارد عامة كان يمكن توجيهها إلى البنية التحتية المدنية، والخدمات الاجتماعية، وبرامج الرعاية.
تفصيلاً، سجل الإنفاق الدفاعي الأوربي ارتفاعاً ضخماً خلال السنوات الأخيرة؛ إذ رفعت دول الاتحاد الأوربي والدول الأوربية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) إنفاقها العسكري بأكثر من 98 في المئة منذ عام 2020. وفي عام 2025، ارتفع الإنفاق الدفاعي الأساسي في أوربا نحو 20 في المئة مقارنة بالعام السابق، ليصل إلى 418 مليار يورو.
وأعادت موجة إعادة التسلح التاريخية هذه رسم المشهد المالي العسكري في القارة على النحو الآتي:
– الإنفاق الإجمالي: من المتوقع أن يبلغ الإنفاق الدفاعي الأساسي لدول الاتحاد الأوربي في عام 2026، نحو 454 مليار يورو، أي ما يعادل نحو 2.4 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد.
– الاستثمارات: تشهد الاستثمارات في المعدات العسكرية والبنية التحتية الدفاعية ارتفاعاً غير مسبوق؛ إذ قفز الإنفاق الدفاعي لدول (الناتو) الأوربية وكندا بأكثر من 90 مليار دولار (نحو 20 في المئة) خلال عام 2025 وحده.
– الزيادات الوطنية: تتصدر القوى الأوربية الكبرى هذه الموجة؛ إذ تعتزم ألمانيا رفع إنفاقها الدفاعي السنوي إلى 118 مليار يورو، في حين سجلت دول مثل إسبانيا وإيطاليا زيادات سنوية تاريخية في موازناتها الدفاعية، سعياً إلى تحقيق أهدافها الأمنية الجديدة.
موقف ترامب من الحلفاء
كانت مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الشركاء الأوربيين التجاريين والحلفاء في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، العتبة التي جعلت القادة الأوربيين يتجاوزون سياساتهم المتحفظة نحو اعتماد مقاربة مختلفة لمسألة الأمن الاستراتيجي؛ فالمظلة الأمريكية التي حمت أوربا الغربية طوال عقود رُفعت عملياً، وأمضى ترامب جانباً كبيراً من قمة (الناتو) بأنقرة في توجيه انتقادات علنية إلى حلفائه، معدداً سلسلة من الشكاوى، تراوحت بين بطء التقدم في الوفاء بالتزامات الإنفاق الدفاعي، وضعف انخراطهم في الحرب مع إيران.
كذلك، أمر بـ(وقف جميع المبادلات التجارية) مع إسبانيا، فيما بدا أنه رد على رفض مدريد الالتزام بهدف الحلف الخاص بالإنفاق الدفاعي. ووصف إسبانيا بأنها (قضية خاسرة) و(شريك سيّئ للغاية في (الناتو)).
كما استغل ترامب القمة ليكرر رغبته في أن تستحوذ الولايات المتحدة على جزيرة غرينلاند، وقال: (غرينلاند مهمة جداً للولايات المتحدة، لكنها ليست مهمة بالنسبة إلى الدنمارك. نحن بحاجة إليها لحماية العالم، وليس الولايات المتحدة فقط).
هل يكفي السلاح لضمان الأمان؟
الواقع أنه قبل انعقاد قمة (الناتو) في أنقرة، تصدر مطلب زيادة الإنفاق الدفاعي الأوربي جدول الأعمال في ظل استمرار الحرب الروسية على أوكرانيا. ورغم أن تعزيز القدرات العسكرية ضرورة لا يختلف الأوربيون بشأنه، فإن اختزال أمن قارتهم في زيادة مشتريات الأسلحة يعكس فهماً قاصراً لطبيعة التحديات التي تواجهها.
صحيح أن القوة العسكرية تظل ركيزة أساسية للردع، لا سيما بعد أن كشفت الحرب في أوكرانيا ضعف الجاهزية الدفاعية الأوربية، فإن الأمن لا يقوم على السلاح وحده؛ بل يعتمد أيضاً على التماسك السياسي، وشرعية المؤسسات الديمقراطية، والقيم المشتركة التي يُفترض أن تجمع دولاً متحالفة.
لذا، يحذر مراقبون من تحول (الناتو) إلى تحالف يقوم على منطق المقايضة، بحيث تصبح الحماية الأمريكية مرتبطة فقط بحجم الإنفاق الدفاعي الأوربي الذي سيغذي حكماً الاقتصاد الأمريكي عبر شركات الصناعات العسكرية. فهذا المنطق يتجاهل أن الحلف، منذ تأسيسه عام 1949، لم يكن مجرد تحالف عسكري؛ بل نشأ بوصفه كياناً سياسياً يفاخر بأنه يستند إلى الديمقراطية وسيادة القانون والحريات الفردية، وهي عوامل تعزز الثقة بين الحلفاء وتسهل التعاون العسكري والاستخباراتي.
ويرى محللون أوربيون أن الولايات المتحدة نفسها تحتاج إلى حلفاء أقوياء وموثوقين في مواجهة التحديات الجيوسياسية الراهنة والمستقبلية، وأن مساهمة أوربا لا تقتصر على الجوانب العسكرية؛ بل تشمل قوتها الاقتصادية والدبلوماسية والتكنولوجية، بما يعزز مكانة (الناتو) وقدرته على المواجهة.
في المحصلة، يشكل رفع الإنفاق الدفاعي شرطاً ضرورياً لتعزيز الردع، لكنه لا يكفي وحده لبناء أمن أوربي مستدام؛ فالقوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع تعويض هشاشة الديمقراطية أو ضعف المؤسسات أو تآكل التماسك السياسي. لذلك، فإن أمن أوربا في العقود المقبلة سيقاس ليس فقط بعدد الدبابات والطائرات، بل أيضاً بقدرتها على صون نموذجها الديمقراطي وتعزيز وحدتها الداخلية في مواجهة التحديات الخارجية.
عن (الشرق الأوسط)