زواج رأس المال والسلطة.. جزيرة إبستين نموذجاً

إبراهيم الحامد:

عبر التاريخ، لم يكن التقاء الثروة بالسلطة حدثاً طارئاً أو استثناءً أخلاقياً، بل هو تعبير بنيوي عن طبيعة أنماط الإنتاج الطبقية، حيث تتشابك المصالح الاقتصادية مع أجهزة الحكم في فضاءات معتمة تُدار خارج رقابة المجتمع والقانون. وتُعد قضية جزيرة إبستين واحدة من أكثر النماذج المعاصرة فجاجة في كشف هذا التداخل العضوي بين رأس المال والسلطة السياسية في النظام الرأسمالي المعولم.

لم تكن الجزيرة مجرد منتجع معزول، بل فضاءً مغلقاً جرى فيه تعليق القانون عملياً، وتحويل الجغرافيا إلى أداة حماية طبقية، حيث أُنتجت علاقات استغلال قصوى، مستفيدة من فائض الثروة ومن شبكة نفوذ سياسية – قضائية – إعلامية وفّرت الغطاء والحصانة. لقد كشفت هذه القضية، في قلب الإمبريالية العالمية، زيف الخطاب الليبرالي عن (سيادة القانون) و(الديمقراطية)، وأظهرت أن العدالة في المجتمعات الرأسمالية ليست حقاً عاماً، بل هي امتياز طبقيّ.

إن جيفري إبستين، بوصفه رأسمالياً مالياً لا يشغل موقعاً رسمياً في الدولة، يجسد موقع رأس المال في بنيتها: قوة غير منتخبة، لكنها أكثر نفوذاً من المؤسسات المنتخبة نفسها. فقد مكّنته ثروته من نسج شبكة علاقات مع سياسيين ورجال أعمال وأكاديميين وإعلاميين، وهو ما يُسمّى في التحليل الماركسي (رأس المال الاجتماعي)، الذي يتحول في لحظة معينة إلى أداة مباشرة لتعطيل المحاسبة، وتليين القانون، وتحويل الجريمة إلى صفقة، والعدالة إلى تفاوض. هنا لا يعود المال وسيلة إنتاج فحسب، بل يصبح وسيلة حماية للهيمنة والجرائم الطبقية.

ومن هذا المنظور، لا يمكن فصل ما جرى في جزيرة إبستين عن السياق العالمي للصراع الطبقي، ولا عن الحروب والتفكيك الاجتماعي الذي شهدته مناطق الشرق الأوسط تحت مسميات دينية أو طائفية أو قومية. فهذه الأقنعة لم تكن سوى أدوات أيديولوجية لتضليل الجماهير، بينما كان الجوهر الحقيقي هو أزمة بنيوية في النظام الرأسمالي، جرى تصديرها عبر الحروب، وتدمير البنى التحتية، وإعادة تشكيل المجتمعات على أساس الانقسام والفوضى، خدمةً لإعادة إنتاج السيطرة الطبقية.

لقد جرى تسويق ما سُمّي بـ(الربيع العربي) بوصفه مشروع تحرر وديمقراطية، بينما كان في جوهره – في كثير من تجلياته – إعادة هندسة للعلاقات الطبقية بالقوة، حيث أُعيد تقسيم المجتمعات إلى أقلية مسلحة متسلطة لا تتجاوز نسبتها العُشر، وأكثرية مسحوقة تُدفع إلى الفقر والعنف والتهجير. وفي هذا السياق، لم تكن شبكات الاتجار بالبشر والجنس والموارد انحرافاً، بل جزءاً عضوياً من منطق النهب الرأسمالي في أطواره المتأزمة.

من هنا، فإن إثارة الجدل حول (زواج رأس المال والسلطة) في قضية إبستين لا ينبغي أن تُختزل في بعدها الأخلاقي أو الجنائي، على أهميته، بل يجب أن تُفهم بوصفها نافذة كاشفة لطبيعة الدولة في المجتمع الطبقي. فالدولة الحديثة، كما بيّن التحليل الماركسي، ليست كياناً محايداً فوق الطبقات، بل جهازاً يُعاد إنتاجه لخدمة مصالح الطبقة المهيمنة، ويُصاغ قانونها بما يحفظ توازنات القوة القائمة.

وتُظهر الصفقة القضائية المخففة التي حصل عليها إبستين بوضوح الطابع الطبقي للقانون: إذ يُعاد تعريف الجريمة وفق موقع مرتكبها الطبقي، ويُحوَّل العقاب إلى تسوية، والمحاكمة إلى تفاوض. فالتفاوت في تطبيق العدالة ليس خللاً عرضياً، بل نتيجة حتمية للتفاوت في السيطرة على وسائل الثروة والقرار.

إن شبكة إبستين العابرة للحدود تكشف عن اندماج المجال الاقتصادي بالسياسي، وعن تشكل أوليغارشية مالية عالمية، تجاوزت الدولة القومية، وباتت تدير المصالح والحروب والأزمات عبر منظومات نفوذ متشابكة. وهو ما يؤكد أن الرأسمالية في مرحلتها المعولمة لا تُنتج الثروة فحسب، بل تُنتج أشكالاً جديدة من التوحش والاستغلال، وتوسّع منطق السلعة ليشمل الإنسان ذاته، ولا سيما الإنسان الهش: الفقير، والمرأة، والطفل.

وفي هذا الإطار، لا يُعد الاتجار الجنسي مجرد انحراف أخلاقي، بل تعبيراً متطرفاً عن منطق السوق، حيث تُختزل العلاقات الإنسانية إلى تبادل نفعي، وتُسلّع الأجساد تحت سطوة قانون القيمة، بما يفصل الإنسان عن إنسانيته، ويعيد إنتاج الاغتراب بأقسى أشكاله.

إن محاولات المؤسسات الرأسمالية اليوم حصر قضية إبستين في إطار (حادثة فردية) ليست سوى مسعى أيديولوجي لامتصاص الصدمة، وإعادة إنتاج شرعية نظام مأزوم، دون المساس بأسسه الطبقية. غير أن هذه القضية لن تُغلق بمحاسبة شكلية أو بإدانة معزولة، لأنها ليست قضية شخص، بل قضية نظام فقد توازنه ومصداقيته، وبات عاجزاً عن الإجابة عن تناقضاته العميقة.

إن جزيرة إبستين ليست مجرد مكان، بل رمز لعالم تُدار فيه الجرائم والحروب والتحالفات فوق فراش غير شرعي من المال والسلطة، بينما تُترك الشعوب فريسة للفقر والطائفية والعنف. وهي تذكير قاسٍ بأن العدالة في ظل الرأسمالية ليست قيمة كونية، بل هب امتياز طبقي، وأن التحرر الحقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا عبر تنظيم وعي ونضال الطبقات الكادحة، وبناء بديل اجتماعي أكثر عدالة وإنسانية، يقوم على تفكيك هذه البنية، لا تجميلها.

 

 

العدد 1194 - 15/04/2026