وعد “صفر مخيمات”.. ماذا عن العدالة الانتقالية من منظور اقتصادي؟

* إن ما يعاني منه سكان مخيم الزربة (*) ليس مجرد أزمة إنسانية، بل هو (فشل سوق) سياسي واجتماعي يتطلب إعادة تعريف شاملة لمفهوم العدالة الانتقالية. العدالة لا يجب أن تكتفي بمعاقبة الجلاد، بل عليها أن تُطعم الضحية وتمنحها سقفاً وجداراً.

* مع اقتراب الحكومة الحالية من إكمال عامها الأول، خرجت علينا تصريحات (من وزير المالية ومعاون وزير الشؤون الاجتماعية والعمل) بأن هدف الحكومة هو إغلاق ملف المخيمات نهائياً بنهاية 2026.

* بلغة الأرقام: على 1.2 مليون سوري (حوالي 240 ألف أسرة) الانتظار لعام إضافي جديد عن العام الأول لما بعد سقوط الأسد، ليصبح مجموع سنوات النزوح 15 عاماً!

* هل تدرك الحكومة حجم الظلم الاجتماعي والاقتصادي الناتج عن استمرار هذا الوضع لعام إضافي؟

إن تحقيق هذا الوعد يتطلب الانتقال من (اقتصاد اللاقتصاد) إلى (اقتصاد العدالة). وهنا يبرز البعد الاقتصادي لـ (جبر الضرر) كأداة لا غنى عنها لإنجاح العدالة الانتقالية.

* لتحويل رؤية (صفر مخيمات) إلى واقع ملموس في نهاية 2026، يجب تبني سياسات اقتصادية هادفة ترتكز على محورين(**):

* جبر الضرر الفردي (السيولة والعودة): توزيع مبالغ نقدية مباشرة بقيمة 500 دولار شهرياً لكل أسرة لمدة عام (بإجمالي 1.5 مليار دولار)(*) هو (حزمة تحفيزية) كفيلة بإنعاش القوة الشرائية في المناطق المنكوبة. بتكلفة إجمالية تصل إلى 1.5 مليار دولار، نضمن كرامة النازح ونمنحه القدرة على اتخاذ قرار العودة. يضاف إلى ذلك القروض الصفرية (دون فوائد) لكل من يملك منزلاً مهدماً جزئياً ليشجعه على العودة الطوعية بدلاً من انتظار خيام جديدة، وهو ما يقلل العبء عن كاهل الدولة في بناء وحدات سكنية جديدة بالكامل.

* جبر الضرر الجماعي (إنعاش المحليات): توجيه الاستثمارات الحكومية والخاصة إلى المناطق التي ينحدر منها النازحون ليس مجرد فعل خيري، بل هو استراتيجية للامركزية اقتصادية تمنع التكدس في مراكز المدن وتخلق فرص عمل مستدامة في البيئات التي دمرتها الحرب.

السؤال المعتاد دائماً: (من يدفع الفاتورة؟). نقول إن التمويل متاح إذا توفرت الإرادة السياسية والشفافية:

* أموال (الفلول) والتسويات: المليارات النقدية والعينية التي تمت استعادتها من أركان النظام السابق وأمراء الحرب هي ملكية عامة مغتصبة، وإعادة توظيفها في ملف المخيمات هو أسمى صور العدالة التوزيعية.

* تعهدات المانحين والتبرعات المحلية: المليارات التي تم التعهد بها في مؤتمرات التبرع يجب أن توجه فوراً لهذا الملف بعيداً عن البيروقراطية.

يجب على صُنّاع القرار أن يدركوا أن برامج التعويضات المالية والسكنية ليست عبئاً على الميزانية أو إنفاقاً استهلاكياً ضائعاً؛ بل هي (استثمار في السلام الاقتصادي).

* إن العدالة التي لا يشعر بها المواطن في رغيف خبزه وفي أمن مسكنه هي عدالة منقوصة لن تصمد أمام رياح الاضطرابات المستقبلية. إذا أرادت الحكومة السورية حقاً إغلاق ملف المخيمات بحلول 2026، فعليها أن تبدأ فوراً بصرف (فاتورة العدالة) لمستحقيها.

د. رشا سيروب

 

(*)- ما حصل في مخيم الزربة مؤخراً ليس الحدث الأول لما يتعرض له سكان المخيمات من إقصاء وإهمال ولن يكون الأخير.

(**)- طبعاً يوجد الكثير من الآليات والسياسات التي يمكن اقتراحها، لكن هذا المنشور يتطرق إلى تطبيق العدالة الانتقالية لسكان المخيمات داخل سورية خلال عام واحد انطلاقاً من تصريحات المسؤولين، باعتبارهم على يقين أنه خلال عام ستنتهي المخيمات.

(*)- الرقم على سبيل المثال، ولا نعتقد أن 1.5 مليار دولار رقم كبير لمدة عام (وعد الحكومة) مقارنة باستيراد سيارات بمليارات الدولارات خلال أشهر.

العدد 1186 - 11/02/2026