مفتاح نهضة الشعب

يونس كامل صالح:

هناك الكثير من علماء الاجتماع والاقتصاد يعتبرون أن الماركسية هي جزء من تراث الغرب، إذ إنهم لا يرون فيها إلا أنها تحمل الجنسية الغربية معوّلين في ذلك على المنشأ وحده، ولا يلقون بالاً إلى كونها فكراً له تفسيره للتاريخ أيّاً كان رأينا فيه، وله فلسفته التي تتناقض تماماً مع أسس الفكر الغربي الذي كان سائداً في وقته.

وأنا أرى أنهم على حق في اعتبارهم أن الماركسية في أساسياتها تنتمي إلى الفكر الغربي، فهي حقاً تمثل اتجاهاً نقدياً حاول اقتلاع مجموعة من المذاهب الفكرية السائدة وقت ظهورها من جذورها. وللماركسية حقاً مواقفها المتميزة في الفلسفة والتاريخ والاقتصاد، ولكن كل هذا لا ينفي انتماءها إلى العائلة نفسها.

وإذا كانت الماركسية قد بدت في المنتصف الثاني من القرن التاسع عشر وكأنها الابن العاق للتيار السائد آنذاك في الفكر الغربي، فإنها مع ذلك الابن الطبيعي لهذا الفكر، وقد عاد الكثير من الفكر الغربي آنذاك إلى احتضانها واستيعابها بحيث أصبح كثير من أفكارها الأساسية جزءاً لا يتجزأ من الفكر الغربي في علم الاجتماع وفي الدراسات التاريخية حتى في الكتابات التي تتصدى لها بأشد النقد.

ولكن هذا لا ينفي بالطبع أن فلسفة كالماركسية تحتوي على إضافات ثمينة للمعرفة الإنسانية يمكن لأي مجتمع الإفادة منها. ولكن المراد تأكيده في هذا المقام هو أن الماركسية شأنها شأن أي نتاج غربي، مادي أو فكري، تضم في ثناياها عنصرين من المهم جداً التمييز بينهما: العنصر العلمي البحت، وهو الذي يمثل هذه الإضافة الثمينة للمعرفة، والعنصر القيمي، الذي يعكس خصائص ثقافة بعينها. وفي كثير من الأحيان تؤخذ الخيارات عندنا انطلاقاً من العنصر القيمي، ويجري تجاهل العنصر العلمي البحت، فنحن لم نتمكن بعد من تبني النظام الغربي في التعليم الذي هو سبب نهضتهم، ولم نتمكن من نقل التكنولوجيا الغربية إلينا انطلاقاً من المعرفة العلمية. وبقيت مسألة الاختيار والانتقاء من الحضارة الغربية مسألة بالغة الصعوبة حتى في فروع العلم التي يخيل لنا أحياناً أنها علوم ذات طابع إنساني عام، وأنها تتمتع بأكبر قدر من العمومية كالعلوم الطبيعية.

ولكن إذا كان هذا الانتقاء صعباً فإنه ليس مستحيلاً، إنه يكمن في الطريقة التي يجري بها الاختيار. وهنا يمكن الاستفادة من تجارب الكثير من الدول الأخرى التي لم تطرح جانباً في سياق الاختيار، الخصائص الخصوصية التاريخية لمجتمعاتها، بل طورت هذه الخصائص لجعلها متلائمة مع التطورات العلمية العاصفة التي تجري. إن من يتابع التاريخ الاقتصادي للدول التي تفوقت علينا اقتصادياً، وبنت حضارة صناعية متقدمة، لم يصادف مثالاً واحداً لم تقترن فيه النهضة الاقتصادية، وبالذات فيما يسمى مرحلة الانطلاق، برغبة قوية في إثبات الذات وبأنها ليست بأقل قدراً من الأمم الأخرى.

ومن المؤسف أن الاقتصاديين في محاولاتهم البحث عن شروط التنمية الاقتصادية قد تجاهلوا هذا العامل تجاهلاً يكاد يكون تاماً، وركزوا بدلاً منه على مظاهره السطحية وآثاره، كارتفاع بمعدل الادخار والاستثمار، أو توفر الكفاءات والمهارات، أو تطوير فنون الإنتاج …إلخ، مع أن هذه كلها ليست إلا نتائج لتفجر طاقة نفسية قد لا يفسرها أي عامل اقتصادي. فإن كان هذا هو مفتاح النهضة حقاً الذي يفتح كل الأبواب المغلقة، فإنه لا يكون هناك مفر لأي شعب يرغب في تحقيق نهضة من اكتشاف المفتاح الخاص به الذي يؤدي إلى هذه النهضة، مثل بقية الشعوب التي اكتشفت مفتاح نهضتها الخاصة بها.

العدد 1186 - 11/02/2026