كيف أطربنا الزمار؟
بولس سركو:
كيف أطربنا الزمار؟ سؤال يفترض أن يلي مباشرة سؤال الكاتبة البريطانية فرانسيس ستونر ساندرز (من الذي دفع للزمار؟) وهو عنوان كتابها الذي كشف، بالأسماء والتواريخ والأمكنة والوثائق، استغلال وكالة المخابرات المركزية الأمريكية للفنون والآداب والإعلام في إطار الحرب الباردة منذ منتصف القرن العشرين، وبضمن ذلك استغلالها السياسي للفن التشكيلي والتلاعب بمصير تطوره الطبيعي وحرفه لخدمة المصالح الأنانية الأمريكية عن طريق الرشاوي والمكافآت وشراء ذمم الفنانين والنقاد وأصحاب صالات العرض ومديري المتاحف ومراكز الثقافة ودور النشر والمطبوعات في مدن الغرب كافة.
اختارت الكاتبة العنوان الفرعي الساخر (شخبطة اليانكي) للحديث عن كيفية ظهور (التعبيرية التجريدية) المدرسة الفنية التي لم تنشأ كسابقاتها في سياق التطور التاريخي للفن التشكيلي، بل نشأت بدهاء الجاسوسية والمال السياسي باعتراف أعضاء المخابرات أنفسهم كقول (دونالد جيسون) مثلاً: (المخابرات الأمريكية هي التي اخترعت التعبيرية التجريدية بالكامل بصفته نوع الفن الذي لا علاقة له بالواقعية الاشتراكية)- ص ٢٨٧.

ويوضح اعترافه تورط الوكالة بالسيطرة على الفن كما يوضح هدفها السياسي في آن معاً، وفي الوقت نفسه الذي كان النقاد المأجورون ينشرون مقولة (فصل الفن عن السياسة) لإبعاد الشبهة عنهم وإلصاقها بالسوفييت.
قالت الكاتبة إن الأمريكيين يملكون المال لكنهم يفتقرون للثقافة، في حين كان السوفييت يتمتعون بثقافة عالية وعريقة يتمدد نفوذها داخل المجتمعات الأوربية، وإن مشروع مارشال وحده لا يضمن لهم إزالة الشيوعية من طريقهم، ولا مفر من فتح جبهة ثقافية عريضة وشاملة لتغيير أذهان الشعوب وبث كراهية الشيوعية في وعيهم.
تولّى جهاز المخابرات المهمة برئاسة ألان دالاس وكرميت روزفلت عام ١٩٤٧، وقد أسّسا في عام ١٩٥٠ منظمة الحرية الثقافية وفروع لها في ٣٥ دولة مهمتها فرض الثقافة الأمريكية عن طريق المعارض الفنية والحفلات الموسيقية والصحف والمجلات والإعلام المسموع.
ترأس المنظمة عضو المخابرات الأمريكية مايكل جوسلسن، وهو ابن تاجر يهودي، وإلى جانبه فريق تشكل من الموسيقي الروسي المنشق نيكولاس نابكوف ودونوفيل ولاسكي، وقد تمكن هؤلاء من تأمين تمويل هائل للمنظمة ليس من ميزانية المخابرات فقط، بل من المؤسسات الرأسمالية الكبرى مثل روكفلر وفورد وماكدونالد ومن كبار رجال المال المتحمسين لخوض معركة الثقافة ضد الشيوعية.
كان أول عمل أنجزته المنظمة في مجال الفن التشكيلي هو تعيين عضو المخابرات الأمريكية (جون جوك هاي ويتني) رئيساً لمجلس إدارة متحف الفن الحديث، ثم قامت المنظمة بإغداق الأموال الطائلة على شراء وعرض أعمال مجموعة مغمورة من الفنانين الذين كانوا بالأصل نشطاء في الحركة الشيوعية الأمريكية، مثل جاكسون بولوك وأدولف جوتليب و وليم بازيوتس ولم تكن أعمالهم التعبيرية التجريدية تلقى أي قبول من الجمهور ولا من النخب الأمريكية، ثم فجأة وبين ليلة وضحاها أصبحوا بفضل منظمة الحرية الثقافية أسماء لامعة يعيشون حياة الترف وأعمالهم معروضة في المتحف والنقاد يتبارون في تكريس تلك الأعمال كمدرسة أمريكية تمثل قيم الحرية والديمقراطية خارجة عن كل القواعد السائدة في علم الجمال مغرقة في الفردية بمسوغات نظرية سطحية، ولم تلبث أن قامت فروع المنظمة بتعميمها في كل المدن الأوربية.
كيف أطربنا الزمار؟
أكدت الكاتبة أن الغالبية العظمى من الفنانين الغربيين كانوا أعضاء في منظمة الحرية الثقافية أو مقربين منها دون معرفة الكثيرين منهم أنها واجهة ثقافية لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية، وحين انتشرت التعبيرية التجريدية في أوربا بدت للجميع أنها مدرسة تمثل روح العصر وذروة ما أبدعته الحضارة في مجال الفن التشكيلي.
في ذلك الوقت كان بعض رواد الفن التشكيلي السوري ما يزالون طلاباً في مدارس الفن في باريس وروما وغيرهما، ومن الطبيعي أن يعود هؤلاء حاملين معهم أحدث منجزات الفن في الغرب وينقلونها إلى طلابهم.
خلال ثمانينات القرن الماضي تكاثرت ظاهرة الترديد الببغائي لمقولة فصل الفن عن السياسة واللهجة المعادية للواقعية الاشتراكية والزهو الأجوف بفهم التطور على أنه الجنون في الفن، كما اقتصرت معارض الصالات الخاصة على فناني التعبيرية التجريدية، وكذلك بعض المراكز الثقافية الغربية وترددت أقاويل عن شراء السفارة الأمريكية عملاً فنياً بمبلغ كبير لأحد فناني التعبيرية التجريدية السوريين، فتزايدت أعداد منتجي هذا النمط والحقيقة فقد أطربنا جميعاً لحن الحرية دون أن يعرف أي واحد منا من هو الزمار ولا من دفع له أجرة الحفل.