المساهم في الكتلة الوطنية السورية: العرب والحرب على إيران ولبنان

كتب د. سمير العيطة..
مهما كانت نتيجتها، ليست الحرب التي أطلقها بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب لحظةً عابرة في تاريخ المنطقة. بل إنها محطة أساسية في مسار تغييرها، بل هي دلالة على أنها تغيرت بعيداً، كل البعد، عن الأطر التي نشأت عليها وعن الجهود التي بُذلت لترسيخ استقرارها.
كان يمكن لإيران أن تتخلى تدريجياً عن التشدد الديني والمذهبي، وعن تصدير هذا التشدد، بالتحديد كما تخلت الدول الخليجية عن التشدد الديني والمذهبي وتصديره، خاصة أن أغلبية المجتمع الإيراني، كما مجتمعات الخليج، قد تخطت فى واقع وعيها إرث هذا التشدد. إلا أن قادة إيران، وشعبها أيضاً – ما يفسر عدم سقوط نظامها بالسهولة التي كان نتنياهو يتوقعها – عاشوا وما زالوا يعيشون فى هواجس الحرب العراقية-الإيرانية المدمرة للبلدين، والحصار، ثم الغزو الأمريكي للعراق، الذي حرم هذا البلد الثري، ولأمدٍ طويل، من أن يزدهر ويحظى شعبه بما يستحق. وها هي هذه الهواجس تلحق بهم.
وفى حين تُثار اليوم إمكانية إعادة عائلة ملك الملوك (شاهنشاه) إلى الحكم فى إيران، لا ينسى الإيرانيون كيف أسقطت الولايات المتحدة وبريطانيا وزارة محمد مصدق عام 1953 لأنه حاول أن تستفيد بلاده من مزايا نفطه، على الأقل كما العربية السعودية حينذاك. كما لا ينسون، فى المقابل، كيف أن دولا غربية احتضنت الإمام الخميني وتوجهاته المتشددة طويلاً، كي يأتى بـ(الثورة الإسلامية)، مع كل التغيرات التى أحدثتها فى الواقع الإيراني وفى المنطقة. حتى خصوم (ولاية الفقيه) يدركون ذلك جيداً، وما زالوا يتساءلون لماذا ساهمت دول غربية أساساً في إسقاط شاه إيران، ويخشون أن تؤدي الحرب الحالية إلى تقسيم البلاد و(تغيير الخرائط).
لقد أدى وصول الخميني إلى الحكم إلى صدمة ارتفاعٍ كبير فى أسعار النفط، تخطت (الصدمة النفطية) التى حدثت بعد حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973 وإيقاف الدول العربية تصدير النفط لمن دعم إسرائيل واستمرار احتلالها للأراضي الفلسطينية والعربية.. وللقدس. بالتزامن شهدت دول الخليج، بسبب هذه (الصدمة النفطية) الثانية، ارتفاعاً كبيراً في إيراداتها، ساهم فى النهضة الكبيرة التي عرفتها منذ تلك الأوقات. إلى أن استنفذت الحرب العراقية-الإيرانية مواردها، وانهارت من جديد أسعار النفط عام 1985، وأدت إلى أزمة مالية فى معظم الدول العربية، حيث عرفت حينها سورية ولبنان ومصر والأردن انهياراً مالياً خانقاً.
تلا ذلك اجتياح العراق للكويت عام 1990، وما برره صدام حسين حينها بالأزمة المالية التي عرفها بعد توقف حربه مع إيران، ليبدأ أول تدخل عسكري كبير للولايات المتحدة فى المنطقة، كي يستنزف من جديد إيرادات النفط الخليجية. وانتهى بانتشارٍ غير مسبوق لقواعد الدول الأجنبية في معظم البلدان العربية. ثم أتى الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، الذى دفع شعب العراق إلى حربٍ أهلية طاحنة وإلى بروز (داعش)، بين طيات تنظيم (القاعدة) الذى كان قد لقي في البداية دعماً عربياً كبيراً فى مسيرة هزيمة الاتحاد السوفييتي فى أفغانستان. ومن جديد استنزفت الحرب الأهلية العراقية، وبعدها الحروب التى تلت (الربيع العربى) فى ليبيا والسودان واليمن وسورية، مزيداً من موارد النفط، ذهبت بعيداً عن تنمية بلدان الخليج والدول العربية الأخرى على السواء.
مواردُ تُستنزَف وآمال تنمية تذهب هدراً، في ظل غياب كامل لأية آلية لترسيخ الأمن والتعاون الضروريَّين في المنطقة، سواء بين البلدان العربية نفسها، مع تقلص جدوى جامعة الدول العربية، أو حتى بين البلدان الخليجية التي أسست مجلس تعاون خاصاً بها، وكذلك بين الدول العربية وإيران وتركيا، اللتين عرفتا إرثاً تاريخياً مشتركاً طويلاً معها.
لقد أدى غياب آلية أمن وتعاون إقليمي راسخة إلى انخراط كل دولة على حِدة في هواجس أمنية خشيةً من تلاعب (أختها) الإقليمية فى أمنها الداخلي، والذهاب نحو سباق تسلح واسع النطاق يستنزف مواردها، ولا تستفيد منه سوى الدول المصنعة للسلاح عبر ثراء شركاتها. كما أدى ذلك، مع الاستخدام الكبير من كل الأطراف للتشدد الديني، لهذا المذهب أو ذاك، أو للجماعات السياسية المسلحة ولتنظيمات ما قبل الدولة، إلى طغيان المخاوف على الاستقرار الداخلي وعلى السلم الأهلي، ما أخذ إلى تصدير الصراعات البينية إلى الدول الهشة.
بالطبع كانت الدول الهشة، اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، بعد غزو العراق، هي الحلقة الأضعف. صحيحٌ أن هشاشتها هي التي أدت إلى اضطرابات اجتماعية فيما سُمّي (الربيع العربي). ولكن كان يُمكِن لهذه الاضطرابات أن تنتهي دون حروب أهلية، لولا تدفق المال والسلاح إليها. ومشهد الحروب الأهلية الطويلة فى اليمن والسودان وسورية وليبيا شاهدٌ على التنافس الإقليمي المتعدد الأقطاب، ليس فقط من قبل إيران أو تركيا، بل أيضا من قبل الدول العربية ذاتها. وكان الخارج البعيد هو المستفيد الأساسي من هذا كله.
بالتزامن غلب خطاب وقف (التمدد الشيعي) فى المنطقة، ما غيب التحدي الأمني الأساسي الذي تشكله إسرائيل، الذاهبة دوماً للتوسع والهيمنة، ليس فقط على الدول الهشة التي تحيط بها، وإنما أيضاً على بقية الدول برمتها. وغيّب التسارع المتباين بين الدول نحو (السلام الإبراهيمي) – وكأن الإشكالية هي إشكالية دينية وليست صراعاً بين دول على النفوذ – التنافس الشديد القائم بين دول المنطقة. كما غير من طبيعة (اتفاقيات السلام) التي عقدتها بعض الدول العربية مع إسرائيل اضطرارا.. لكف بلائها. بل أضحى التعاون الأمني مع إسرائيل وسيلةً للتنافس بين الدول الإقليمية.
هكذا لم تعُد إسرائيل، في نظر الكثيرين، هي الخطر على أمن المنطقة، وإنما صارت لاعباً أكبر. في حين تستفيد إسرائيل من غياب منظومة أمن وتعاون عربي أو إقليمي كي تصبح هي اللاعب الإقليمي الوحيد المهيمن، وكى تُنشئ تحالفات أمنية في محيطٍ أبعد من المنطقة لهذا الغرض.
لقد تمت إبادة أهل غزة الفلسطينيين وتدمير منازلهم وأرضهم، وحصار من بقي منهم فى سجنٍ أصغر من قبل، دون رادع إقليمي، ودون غضبٍ حقيقي يوازي الغضب – غير المسلح – الذى ظهر تضامناً مع مصر وسورية سنة 1973. وتتالت سلسلة الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان – الذي يشكل، رغم انقساماته المذهبية، وبالتحديد بسبب تنوعه، نقيضاً للدولة العبرية القائمة على هيمنة لون ديني واحد – أيضاً دون رادع. بل عوقب لبنان لأنه قاوم، مع خطابٍ يتحدث عن حصرية السلاح فى الدولة، دون أن يدعم أحدٌ الجيش اللبناني، خاصةً بعد الانهيار المالي للبلد.
هكذا تأخذ الحرب القائمة اليوم كل المنطقة إلى تحديات جديدة. فهل ستقبل دول المنطقة أن تنهار إيران ككيان وتتشرذم في حروب أهلية؟! تركيا تعارض ذلك، لأنها تعرِف أن الدور سيأتي فيما بعد عليها. وماذا إذا اجتازت إيران أزمة انهيارها؟ هل ستخضع لحصارٍ طويل كي يأتي الغزو البري بعد عقدٍ، كما حدث للعراق؟ وهل ستدفع هذه الحرب وتداعياتها دول الخليج إلى إقامة منظومة أمن واستقرار مشتركة تكون ركيزة لأمن المنطقة برمتها؟ أم سيستمر التنافس بينها بانتظار المحطة التالية من توسع الهيمنة الإسرائيلية؟
لا إجابة اليوم عن هذه التساؤلات، إذ لم تأخذ تداعيات الحرب الحالية كل مفاعيلها لدى قادة الدول وفي الرأي العام. وليس التموضع سهلاً على أي من هذه الدول التى كان نتنياهو وترامب يعرفان جيداً أنها ستُجرّ حُكماً إلى الحرب. فى حين تكمُن العبرة الآنية فيمن سيضغط لوقف الحرب، ليس فقط على إيران، بل أيضا على لبنان، الذي يحلُم نتنياهو بأن يستعيد ما فقده عندما انسحبت إسرائيل عام 2000. كما تكمُن العبرة فيمن سيتذكر في هذه الظروف غزة وفلسطين، حيث تستمر المعاناة وتستمر الإبادة والغطرسة الإسرائيلية.