رافعة إقليمية ودولية جديدة

د. صياح فرحان عزام:

العلاقات الروسية – الكورية الديمقراطية تمتد إلى عقود خلت، تخللتها اتفاقيات تعاون في مجالات نوعية متعددة، ولكن في ظل الظروف القائمة التي تجمع الطرفين إقليمياً ودولياً، تطلبت الارتقاء بهذه العلاقات إلى مستويات (الشراكة الاستراتيجية)، وهذا يعني أن ثمة مصالح متطابقة وذات طابع استراتيجي، تستدعي التعامل معها بوسائل غير تقليدية في أطر العلاقات الدولية، إذ تواجه الدولتان قضايا ذات أبعاد تتصل بالكيان ومستقبل الوجود والدور، في نظام دولي مليء بالصراعات التي تثيرها الولايات المتحدة وحلفاؤها هنا وهناك، ومليء بالتنافس الخطير.

لقد شكلت زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى كوريا الديمقراطية مؤخراً تأكيداً لحاجة الطرفين إلى تثبيت وتأكيد علاقة تميزت بالمتانة منذ نشأة كوريا الديمقراطية بعد الحرب العالمية الثانية في عام 1948، نظراً للتقارب الإيديولوجي إبان الحقبة السوفيتية، وقد استمرت لاحقاً على الرغم من المتغيرات الدولية الحاصلة. وقد تأكدت هذه الخاصية في اللقاءات الثنائية التي جمعت الطرفين في الأعوام 2000 و2024 في بيونغ يانغ و1961 و2023 في موسكو، والتي توجت باتفاقات تعاون عكست بشكل واضح على نوعية العلاقات المتبادلة بين الجانبين.

ففي عام 2000 عكست زيارة بوتين الأولى إلى بيونغ يانغ حاجة موسكو آنذاك إلى الدعم بعد كبوة الاتحاد السوفييتي، لاسيما أن الولايات المتحدة تكن العداء للطرفين، وبالتالي من مصلحتهما التخفيف من سيطرة واشنطن على النظام العالمي والحد من خياراتها العدوانية.

وما يعزز التطابق حالياً في سياسة الطرفين ما نجم عن العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا التي تتطلب دعماً سياسياً وعسكرياً، علاوة على العقوبات الاقتصادية المفروضة على الطرفين من قبل أمريكا وحلفائها الذين يسعون جاهدين لهزيمة موسكو. وبطبيعة الحال كان لكوريا الديمقراطية دور هامّ في دعم روسيا ومنع إسقاطها من قبل حلف الناتو.. كذلك شكلت العقوبات الاقتصادية الأمريكية والأوربية عاملاً إضافياً لمواجهة واشنطن وحلفائها.

إن اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين تشكل رافعة إقليمية ودولية لزيادة نسبة التنافس في المنطقة، خاصة أن العناصر والعوامل في المنطقة ليست عادية مثل كوريا الجنوبية واليابان، علاوة على دول أخرى تجمعها تحالفات مع واشنطن، إلا أن الأمر الأكثر أهمية هو ما أكده الطرفان الروسي والكوري الديمقراطي في لقاء القمة على تضمين اتفاقية الشراكة الجانب المتصل بالدفاع المشترك ومفاده التدخل العسكري المباشر في حال تعرض أحد الطرفين لاعتداء خارجي، وهذا الأمر شكل قلقاً واضحاً لواشنطن وسيئول وطوكيو.

وإذا كانت الاتفاقية تعزز الدعم الكوري لروسيا في حرب أوكرانيا، فإن ما ستستفيد منه كوريا هو الدعم الروسي التكنولوجي للبرنامج الكوري في مجال الصواريخ الباليستية، إضافة إلى التكنولوجيا المتعلقة بالأقمار الاصطناعية ووسائل إطلاقها، وبالتالي تبدو الحاجة متبادلة بين الطرفين لاسيما في الجوانب العسكرية والتكنولوجية، وهذا ما يقلق واشنطن إلى حد كبير.

بالمحصلة، الاتفاقية وقّعت بين بلدين مستهدفين من أمريكا وحلف الناتو.. إذاً العالم أمام تغير جيو- استراتيجي جديد يعزز موقع روسيا في مقاومة واشنطن وحلف الناتو، وأيضاً مقاومتها في شرق آسيا، وهذا ما دعا المتحدثة باسم البيت الأبيض كارين جان بيير للقول: (إن تعميق التعاون بين روسيا وكوريا الشمالية يجب أن يكون مصدر قلق للجميع)، في حين اعتبر ينس ستولتنبرغ (أمين عام حلف الناتو) الزيارة مدعاة لتأكيد أهمية شراكة الحلف مع الدول الآسيوية، وهناك نقطة مهمة وهو أن الشراكة الجديدة تعني أن مقعد روسيا في مجلس الأمن سيصبح حائط صد متيناً لحماية بيونغ يانع من قرارات الإدانة واستمرار العقوبات.

العدد 1112 - 26/6/2024