ملاذيّ الآمن

وعد حسون نصر:

ملاذي الآمن والأوحد هو بيتي، أسرتي، عائلتي، أبي أمي وإخوتي. هو المكان الذي أخلدُ فيه بسلام، أبوحُ بوجعي وهمّي دون قلق. وبمجرد أغلقتُ الباب خلفي لم يعد يهمّني كثيراً ما يحدث خلفه. تجمعنا أفراح مشتركة وهموم نتقاسمها، ثياب نتوزّع ارتداءها وفق أيام الاسبوع، حتى الطعام يجب أن نتذوّقه جميعنا كنوع من الإنصاف. قلقنا في المرض على المريض وسهرنا حوله، انتظار الغائب بفارغ الصبر للاطمئنان على سلامته، كلّ هذا مندرجٌ تحت مفهوم الأسرة ملاذنا الآمن.

فكم من أب واصل النهار بالليل ليقدّم لأبنائه مستلزمات البقاء وإن كانت ضمن المقبول، وكم من أب جرّد نفسه من كل حقوقه ليقوم بواجباته حيال أبنائه كي يكملوا تعليمهم ويكونوا له سنداً عندما يكبرون بعد أن كان سندهم وهم صغار. وكم من أم ضحَّت قبل كل شيء براحتها النفسية والجسدية لتكون جسر عبور لأولادها نحو برِّ الأمان، وخاصةً الأم التي فقدت زوجها وباتت ضمن المجتمع تلعب دور الأب والأم معاً.

مفهوم الأسرة مرتبط تماماً بمفهوم الاستقرار والسكينة والراحة والاطمئنان، أمّا الآن وبعد شبح الأزمة وعجلات حربها التي طحنت كلّ الأمنيات، فشرّدت الكثير من الأُسر التي أضحى كل فرد من أفرادها بمكان من هذه الأرض، ولا ننسى من احتضنتهم الأرض في جوفها أمواتاً بلا ذنب، ومن فُقِدَ وأسرته لا تعلم عنه شيئاً إن كان على قيد الحياة أم لا، ومن بات بلا مأوى غريباً شريداً لاجئاً في محافظة أخرى وهمّه الوحيد لقمة العيش واحتضان أولاده آخر اليوم بقبلة اطمئنان. حلم الأطفال بحضن الأسرة الدافئ حوّلته الحرب إلى كابوس، وغدا هذا الحلم عبارة عن لحظات قليلة تجول بالفكر، فتبعث ابتسامة خفيفة تؤنس وحدة الفراق! هموم العيد جعلتنا نبتعد بعضنا عن البعض الآخر حتى وإن كنّا داخل بيت واحد، فالأب يخرج من مشرقها لغيابها، والأم تعمل لتُعيل الأب والابن الأكبر أو البنت، لا سفرة طعام تجمعهم على غداء أو فطور أو عشاء، ولا يوم جمعة تجتمع فيه العائلة حول مائدة الفول طقس البلد المعتاد، الجميع منصرفٌ مع همومه يركض وراء متطلّبات  الحياة، لا يلتقون سوى عند الدخول للمنزل والخروج منه فقط على الباب، لم نعد نتقاسم الضحكات ونتبادل حلَّ الألغاز والطرفات في سهرات السمر على شرفات الصيف وأسطح المنازل، شرّدتنا هموم الحياة وأبعدتنا عن بعضنا البعض حتى في واجب العزاء.! فكم من أب مات ولم يتمكّن أولاده من وداعه في قبلة وداع أخيرة تطبع على جبينه، وكم من أم حُرِمَتْ من احتضان أبنائها في الأعياد، ولا ننسى البعض منهن لم يتمكّنَّ من رؤية أبنائهن عندما يرسلون في تابوت الموت من الغربة ليدفنوا في تراب الوطن تاركين حرقة في قلوب الأمهات! نعم، لقد شرّدتنا الحرب وسرقت منّا أجمل اللحظات حتى باتت ذكرياتنا قاسية.

جمعينا حُرِمَ من نعمة الأسرة، شوارعنا امتلأت بالأطفال المُشرّدين، فمنهم من فقد أهله بالحرب وآخر من كان مجهول النسب! البطالة كبّلت أيدي شبابنا وبات جلّ همّهم فرصة عمل تمكّنهم من شراء لقمة تسدُّ جوعهم بعد الشقاء! تعبنا من الهموم، تعبنا من الشقاء، نعيش غربة في الوطن وغربة خارج البلد، فقدنا الأمن والأمان وأصبحنا نرجو من القدر أن يمنحنا ساعة مع العائلة نتسامر، نضحك ونبكي ونلهو ونخلد للسكينة لنعود كما كنّا في السابق قبل أن تسرق الأزمة منّا جمال الحياة، وتزجُّنا في بئر من الهموم نبحث عن قشة نجاة!!

ومع ذلك تبقى الأسرة ملاذنا، ورغم كلِّ التعب، هي المكان الوحيد الذي نشعر معه بالنجاة والسكينة، ربما نعود وتجمعنا الأيام سوريين فرقتنا أزمتنا، لكن لابدَّ أن تجمعنا أصالتنا على منهل ماء في حارات دمشق، لأن من شربوا من ماء دمشق لا بدَّ أن يعودوا إليها، ففي هذا الماء سرُّ الحياة.

العدد 1196 - 29/04/2026