كيف ننصر غزة؟

د.عبادة دعدوش:

نعيش جميعاً منذ السابع من تشرين الأول (أكتوبر) حالة غريبة، بسبب العملية البطولية التي نفّذتها المقاومة الفلسطينية ضدَّ العدو الصهيوني تحت اسم (طوفان الأقصى)، التي جاءت رداً على الاعتداءات المستمرة من قبل الاحتلال على المسجد الأقصى والمُصلّين فيه، إضافة إلى محاولاته تهويد القدس وتغيير تركيبتها الديموغرافية.

مع انطلاق العملية البطولية في غلاف غزة، اجتاحتنا مشاعر الصدمة الايجابية والفخر بالمقاومة الفلسطينية الباسلة التي استطاعت في مدى بضع ساعات وبعدد محدود من مقاتلي النخبة لديها أن تدكَّ معاقل الجيش الإسرائيلي في غلاف غزة وتُفاجئ العالم بهذه الخطوة الشجاعة التي دمّرت من خلالها مقرّات وآليات عسكرية، وأسرت عشرات الجنود وعادت بهم سالمين إلى القطاع، فهذه المشاهد رفعت معنويات كل إنسان عربي في كل أنحاء العالم، وأشاعت حالة من الرضا والفرح عن نتائج العملية العسكرية الفريدة من نوعها والتي صارت نموذجاً يُدرّس في الأكاديميات العسكرية.

ولكن هذه المشاعر التي عشناها لم تطُل حتى انقلبت إلى مشاعر حزن وغضب ممّا يحدث اليوم من هجوم إرهابي وحشي يقوم به العدو الصهيوني بآلته العسكرية الفتّاكة ومن ورائها جحافل الجيوش الأمريكية والغربية انتقاماً من الشعب الفلسطيني في غزة .

هذا العدو يقصف ليل نهار كل شيء في غزة ولا يوفّر حتى المستشفيات ومراكز الإيواء والبيوت ودور العبادة الإسلامية والمسيحية، وضحاياه بازدياد مُطّرد مع كل ثانية وكأنها مجزرة بشرية وإبادة جماعية على الهواء مباشرة يشاهدها العالم لحظة بلحظة دون أن يستطيع أحد إيقافها أو أن يحدَّ من شراستها، كيف لا وهذا العدو مجروح في الصميم ممّا أحدثته فيه المقاومة من تدمير لصورته النمطية التي تلاشت ليحلَّ محلها أن إسرائيل وهم كبير ويمكن إزالته إن توفرت الإرادة والإمكانات وهي ليست شيئاً مُستحيلاً أبداً.

هنا يبرز السؤال الأهم: كيف للإنسان العربي أن يُعبّر عمّا يشعر به من حزن وعجز بسبب ما يشاهده من مجازر بحقّ أطفال غزة ونسائها ومُسنّيها وشبابها ورجالها؟ وكيف له أن يُعبّر عن غضبه من هذه الاستباحة لدماء العرب في فلسطين؟ كيف له أن ينصر إخوته في غزة وهو لا يملك السبيل إليهم؟

إن كل ما نشاهده اليوم يجب أن يتحوّل من حيّز الانفعال العاطفي إلى فعل على أرض الواقع، ولا يمكننا أمام عظمة الموقف الاستسلام لليأس والخنوع، فهذه الحرب ليست حرب غزة وحدها، بل هي حرب الأمة العربية والإسلامية، هي حرب كل الشعوب الحرّة في وجه الطغيان والاحتلال والظلم والانقلاب على القوانين الدولية والشرائع السماوية.

الفعل المطلوب اليوم منّا جميعاً يتمثل في أن نتحرك في شتّى المجالات ومنها الجانب الإعلامي، فكلنا نرى أن الإعلام الغربي يشوّه الحقائق ويمنع الحقيقة عن متابعيه، إلى جانب فرض سياسة نشرٍ مُتحيّزة لإسرائيل من قبل أغلب وسائل التواصل الاجتماعي. وهنا علينا أن نبتدع طرقاً جديدة وخلاقة لإيصال صوت الحقيقة لكل العالم نصرة لغزة بكل ما أوتينا من إمكانات وأفكار، سواء بالتعبير عبر وسائل الإعلام بكل أشكالها، أو عبر حساباتنا الشخصية وما يتصل بها من قنوات ومجموعات متابعة، أو عبر التظاهر في كل دول العالم وإقامة الفعّاليات التي تُعرّف بالقضية الفلسطينية، أو عبر إقامة دعاوى قانونية في المحاكم الغربية ضدَّ مجرمي الحرب الإسرائيليين، أو عبر التأثير في الرأي العام العالمي من خلال وسائل أو أشخاص مؤثّرين ولهم حضورهم القوي عند الجمهور الغربي. فلتُبدع القرائح ولتُشحذ الهمم لنكون عوناً لإخوتنا في غزة، ولنطرق كل الأبواب التي ينبغي أن تتبنّى وجهة نظر الضحية لا الجلاد، مثل المؤسسات والمنظمات الحقوقية الدولية ومنظمات حقوق الإنسان، وكل ما يتعلق بالشأن الإنساني بمختلف جوانبه، لنكُن أداة ضغط شعبية عالمية بمساندة الشعوب الحرّة ليكون لنا تأثير فاعل وضاغط على حكومات الغرب الداعمة لإسرائيل وإجبارها على التوقف فوراً عن هذا الدعم الظالم وغير القانوني وغير الإنساني، حتى يصدر أمر دولي مُلزم وفوري بإيقاف العدوان على غزة ودخول المساعدات الإنسانية إليها.

اليوم لا عذر لأيٍّ منّا في التقاعس عن نصرة غزة، انصروا إخوتكم ولو بالدعاء ولو بكلمة حق تصل إلى العالم، ولا تقفوا مُستسلمين للظروف ولا تدّعوا قلّة الحيلة، فالإنسان عندما ينوي على شيء فإنه سيجد الوسيلة لتحقيقه وتنفيذه، وتذكروا جيداً أن طوفان الأقصى حطّم كل قوالب اليأس والاستسلام، وأشعل فينا نار الثورة ضدَّ الطغيان والاحتلال، فالتحرير ممكن وقريب إن كُنّا على قلب رجل واحد، فهل من مُستمع ومُجيب؟!

العدد 1112 - 26/6/2024