حقائب تحمل حكايتنا تغادرنا مع الذكريات

وعد حسون نصر:

حالنا في الوطن.. نحن شعب من كل الفئات والشرائح والأعمار، ضاقت بنا الظروف، قتلت أحلامنا برصاص الحرب، واندثرت أكثر فأكثر بحصار ووباء، كان لدينا أمل لكنه شحّ مع شُحِّ الزيت في مصباح سهرتنا، مع انطفاء جمر الموقد في مدفأتنا، مع تهدّم سقف منزلنا، وتحطّم مقعد مدرستنا، مع غياب الغاز اللازم لإعداد طعامنا، مع غياب ضحكاتنا بالسهرات نتسامر ونتحدث عن مغامرات الأشقاء، مع سلامات المارّة والتحيات، بتنا لا نرى إلاّ الحقائب المغلقة خلف الباب تحمل معها صوراً فقط منتظرةً الرحيل، كل يوم نودع أحباباً، أو نقرأ على صفحات الانترنيت أو عبر وسائل الإعلام رحيل آلاف الشباب، سواء بالبحر وهو يائس غير مهتم إن مات غرقاً، فالغرق في نظره بات نجاة.. اتجه مخالفاً عبر المعابر لا يهمّه إن احتُجز أو مُنع من دخول الحدود أو نام في العراء فهو يبحث عن ذاته، والقليل منهم يخرج بشكل نظامي من المطارات مُحاطاً بالأهل ليأخذوا منه نظرة الوداع وقبلة اللقاء المُرتقب بلا أمل، فالغالبية منهم فضّلوا أن يرموا أنفسهم في المجهول على هذه الحياة.

لا يمكن أن نلوم جيل الشباب الضائعة أحلامه خلف البحث عن عمل ليقتات منه رغم ندرته، حتى من يحلم بتكوين أسرة، فقد ضاق به الحلم حائراً يبحث عن منزل ليكون له ملاذاً ولأطفاله مأمناً من شرور الحياة. هذا الرحيل الذي جسّد حال شباب انتظر أن تقف عجلة الحرب لتعود له الحياة، لكنه مع الأسف خاب ظنّه بها وضاقت به فأُغلقت في وجهه كل الطرقات، جسّد حال الأب الحالم بمستقبل راغد للأولاد، لكنه لم يعد يجد هذا المستقبل في زحمة البلد، بات همّه لقمة تقيت الأولاد ومبلغاً يدفع به إيجاراً ليبقى تحت سقف منزله بعيداً عن شبح العراء، حال الأم وهمِّ تربية أسرتها في مناخ مناسب وبيئة بعيدة عن غطرسة الحرب وعن نيران قذائفها، عن مخلّفاتها وما تركته من آثار عنف بكل معانيه، فمن الطبيعي أمام كل هذه الضغوطات أن يصبح همُّ الجميع هو الرحيل للبحث عما بقي من أيام العمر بعيداً عن الوجع والذل والقهر تحت سماء البلاد التي تحمل الذكريات، فكيف يمكن إقناع من رحل أن يعود ليزيل ركام الحرب ويبني الوطن، إذا كانت كل المقومات الأساسية للبناء مفقودة، الكهرباء التي تُنير شوارع الوطن وبيوته وتُحرّك آلات معامله، والمازوت الذي يبعث الدفء في جسده، وحتى الغاز الذي يطهو عليه طعامه، حتى الآلة لم تعد موجودة، وإن وجدت لا تعمل اليد العاملة والخبيرة عليها.. فهذه اليد وجدت من يقدّرها ويعينها خارج هذا الخراب، فكيف تقنع وتردع جيلاً مؤمناً بأن كل شيء حوله بات خراباً أن لا يرحل، أليس من الطبيعي والضروري أن تعمل الحكومة على تأمين مقومات الحياة، وتوفير فرص العمل لجيل الشباب لتحدَّ من هجرته، فبالشباب تعود للبلاد حيويتها وانتعاشها، أما حان الوقت لتُصلح ما أفسدته الحرب فتنطلق عجلة الصناعة أمام الصناعيين، والزراعة أمام الفلاحين، والعلم أمام أصحاب الكفاءة، كيف يمكن لوطن أن ينهض بساعتين تغذية للتيار الكهربائي على مدار أربع وعشرين ساعة، أو لعقول أن تفكّر دون طعام تنتظر عودة الكهرباء لتتمكّن من صنع غذائها لأن الغاز غير متوفر، كذلك الشخص فاقد الدفء، كيف يمكن أن يبني وطناً والبرد يعشّش في عظامه؟!

أعيدوا لنا مقومات الحياة لنعود تحت سقف الوطن أبناءً برره جلّ همهم تقويم ركائزه ورفع صرحه وإدارة عجلة معامله وتزيينه بغار النصر على الجهل من مقاعد مدارسه، فالوطن بحاجتنا ليعود جميلاً مزهراً من جديد، وهذا الأمر مسؤولية الحكومة بالدرجة الأولى، إذ عليها تأمين أبسط المقومات، وردع المتلاعبين بقوت الشعب، والحدِّ من الغلاء وتأمين المواد الأساسية، وإعادة تأهيل المدارس والمعامل، والعمل على تحسين الكهرباء ولو بالطاقة المتجدّدة، لتتمكّن من جمع شملنا بالحب والرغبة بالعودة للوطن حتى نبنيه من جديد، وإن صبغته الحرب بلونها الأسود فنحن نعيده لوحة بكل الألوان.

العدد 981 - 20/10/2021