الشهر (الأقرد)!

محمود هلال:

يعدّ شهر شباط بالنسبة للفلاحين الشهر (الأقرد)، وذلك لأنه في هذا الشهر كانت تنفد مؤونة الشتاء فيه من قمح وطحين وبرغل وكشك وكذلك من بطاطا وبصل ..إلخ، وفي كل عام كانوا يتذمرون من حلول هذا الشهر العصيب. أما بعد أن خفت الزراعة في معظم المناطق وتحول الفلاحون إلى العمل الوظيفي، وأصبحوا من أصحاب الدخل المحدود ويعيشون على الراتب الشهري فقد أصبحت كل شهر من شهور السنة لديهم شهراً (أقرد).

لقد أصبح لسان حال الموظف هذه الأيام يردّد أغنية واحدة، وهي: (جوعان وعاري وحافي) هذه الأغنية التي سمعناها وردّدناها في ثمانينيات القرن الماضي، واليوم بعد مضي تلك السنين، نعاود سماعها وترديدها من جديد وكأن أمور الناس بقيت على حالها، ومازالت كلمات الأغنية مناسبة ليومنا الحاضر.

لقد عبّرت هذه الأغنية عن الواقع المعيش في ذلك الوقت، وبيّنت الحالة الصعبة التي كان يعانيها معظم السوريين من عدم كفاية الراتب، الذي كان (نصفه يذهب للإيجار، والنصف الأخر لكروش التجار)، حسب كلمات الأغنية.

صحيح أن رواتب تلك الأيام كانت قليلة، لكنها كانت تكفي حتى منتصف الشهر، وكان الراتب بضعة آلاف، وأسعار المواد الغذائية وغيرها رخيصة ومقبولة نوعاً ما، إذ كانت أسعار البطاطا والبندورة تتراوح بين 10 ليرات و15 ليرة سورية للكيلو، فكان المواطن أبو العيال يمشّي حاله بأكلات بسيطة وهو يغنّي (عالبطاطا البطاطا…)- على قول الشحرورة، يفطر ويتغدى ويحمد الله، بينما اليوم أصبح سعر البطاطا 600 ل.س والبندورة يقارب 1000 ل.س وباتت هذه الأكلات حلماً.

لكن ما هو حال المواطن السوري في هذه الأيام الصعبة، بعد عشر سنوات عجاف من الحرب التي لم تنته بعد؟ لقد أصبح الواقع أسوأ من قبل بكثير، إذ بات معظم السوريين يعانون من عدم كفاية مداخيلهم الشهرية لتأمين الحاجات الأساسية، إذ يترواح دخل المواطن الموظف في القطاع العام للدولة ما بين 50 و 60 ألف تقريباً، ورغم الزيادات التي طرأت على الأجور الشهرية بقي الراتب ضعيف جداً ولا يكفي سوى لعدة أيام قليلة، بسبب الغلاء الفاحش الذي يطرأ على الأسعار كل يوم.

لقد تغيّر نمط حياة المواطن السوري بعد الحرب، وطرأت عليه تبدلات كثيرة، السلع التي كانت ثانوية أصبحت أساسية ولابد من توفيرها، فكثير من الأسر أُجبرت على تغيير مكان سكنها، وتأمين المأوى أصبح في مقدمة الحاجات للأسرة السورية، كما أضافت الأزمة تكاليف جديدة على الغذاء والنقل والدواء واللباس، وباتت المصاريف اليومية لا تطاق ولا تحتمل، وحسب الدراسات فإن الغالبية من الموظفين أصبحت تحت خط الفقر بدرجات كثيرة، وأصبحت زيادة الرواتب والأجور ضرورة إنسانية في المرحلة الحالية من أجل تحسين الوضع المعيشي لجميع فئات الشعب، وإلا فستبقى كل شهور بالنسبة لها (قرداء)، ولسان حالها يغني: جوعان وعاري وحافي! على مدار الشهور المقبلة!

العدد 950 - 3/03/2021