تابــوت الموتى

سليمان أمين:

القضية الإنسانية أن لا يموت الشعب من الجوع والبرد ويصبح في أدنى مستويات الفقر، القضية الإنسانية ليست بمؤتمرات وخطابات تفتقد أدنى معايير الشفافية والمصداقية، فقد تعبنا لسنوات من الشعارات والوعود البراقة التي باتت تشكل أزمة كبرى وأساساً لافتعال أزمات يعيش مرارتها المواطنون السوريون الذين باتوا يعيشون ضمن وطنهم في أدنى مستوى معيشي وخدمي.

القضية الإنسانية أن ينعم الشعب بثروات بلده وحقوقه الذي نص عليها دستور بلاده والقوانين على أكمل وجه، لا أن يصبح الشعب طبقة تخضع لقرارات مجموعة من تجار الوطن والحروب، كما يحدث اليوم بتحكم مجموعة من أثرياء الحرب بكل قرارات المعيشة والخدمات وغيرها في البلد، حيث بات المسؤولون الحكوميون مجرد واجهة فقط لتنفيذ ما يطلب منهم لا أكثر، وإذا عدنا إلى أعوام ما قبل الحرب وفتشنا عن أسماء معظم التجار أصحاب الثروات اليوم المتحكمين بواقع البلد المعيشي والخدمي، لوجدنا بأن معظمهم كان لا يملك شيئاً وليس لديه أدنى معيار ثقافي ومعرفي، والسؤال هنا كيف وصلوا إلى هنا ومن أوصلهم!؟

يعيش السوريون اليوم من دون كهرباء ولا مصادر تدفئة، والجوع بات يؤرق حياتهم، والأسعار ما تزال ترتفع بين ليلة وضحاها، ودخل الفرد مازال ثابتاً دون أي تغيير. مدننا باتت تشبه التابوت المظلم يرقد فيه الناس موتى دون حراك، والقرار الحكومي بتنفيذ القوانين لصالح الشعب قد صلبه مجموعة من عديمي الضمير والإنسانية، وباتت قوانين العقوبات الاقتصادية والحصار شماعة يعلق عليها المسؤولون كل فشل بالإصلاح وتحسين الواقع المعيشي!

نحن لا ننكر قيصر وأخواته من القوانين، ولكن كيف تدخل إلى أسواقنا أحدث الأجهزة الالكترونية والآيفون ومشتقاته!؟ ولا يدخل الغذاء والأدوية والمواد الأساسية للمعيشة مثلما تدخل قطع الرفاهية لأصحاب القصور الفخمة، يتساءل مواطنون!! فمن يدخل أحدث الالكترونيات إلى البلد قادر على إدخال الزيت والسكر والرز وغيره من المواد المعيشية وعلى إغراق السوق بالمنتجات وتحطيم الأسعار، ولكن هناك من يقف ضد منح تجار جدد إجازات استيراد لمصلحته الشخصية، وقد باتت الأمور واضحة ومكشوفة للجميع، فتقسيم الاستيراد وتخصيصه لمجموعة من التجار فقط لزيادة ثرواتهم وزيادة تحكمهم بالتسعير وهم أنفسهم رعاة السوق السوداء ودولارها الأسود، فمستورد البطاريات والليدات، على سبيل المثال، هو المستفيد الأكبر من قطع التيار الكهربائي عن المواطنين 20 ساعة في اليوم، بحجج غير مقنعة، وعدم إعطاء أي أرقام واضحة عن كميات الفيول الموجودة، وقد صرحت وزارة النفط السورية منذ عدة أسابيع بأنها تمد وزارة الكهرباء بكميات الفيول والغاز المطلوبة: (بيّن مصدر موثوق في قطاع النفط أن محطات توليد الكهرباء التابعة لوزارة الكهرباء تتسلم يومياً عشرة ملايين متر مكعب من الغاز وسبعة آلاف طن من الفيول من وزارة النفط، وهناك إمكانية لتسليمها المزيد من مادة الفيول).

لتكن الحجة إن محطات التوليد غير قادرة على توليد الكهرباء وهي قيد الصيانة، وفي كل مرة يخرج فيها وزير الكهرباء يصرح بزيادة التوليد لكن هيهات أن تأتي الكهرباء سوى لمناطق محددة يقطنها مجموعة من المسؤولين والواصلين، بحجة أنها مناطق حيوية كما يحدث في مدينة اللاذقية الغارقة في الظلام.

وإذا عدنا لموضوع الاستيراد لوجدنا أن السوق السورية أغرقت بالبطاريات بكافة أنواعها ووسائل الإنارة من الليدات وغيرها وبأسعار تكوي، والسبب ارتفاع دولار السوداء إلى 2940 ليرة سورية خلال هذا الأسبوع، ولم يقف الموضوع عند الكهرباء وتهرب وزارتها من المسؤولية بحجج باتت غير مقنعة بالمواطنين، بل لحقت بها مؤسسة التجارة الداخلية التي صرحت بتأمين كميات كبيرة من الزيت النباتي للمواطنين بسعر 2900 ليرة لليتر الواحد، وقد بيع الزيت بهذا السعر ليوم واحد فقط واختفى من صالاتها بشكل نهائي، وسُجّل في الأسواق سعر الليتر 5000 ليرة سورية، فضلاً عن أسعار جميع المواد الغذائية الأساسية التي تسجل ارتفاعاً يومياً بالتسعيرة وتحافظ عليه حتى لو هبط سعر صرف دولار الأسود قليلاً، وكذلك حال القطاعات الخدمية الأخرى كالصحة والتربية وغيرها للأسوأ والأسوأ مع نهاية العام الأكثر صعوبة في حياة السوريين .

عام سيئ وقاسٍ يمرّ على السوريين، ارتفعت فيه معدلات أسعار المواد الغذائية بما يقارب 7 أضعاف تسعيرة الشهور الأولى من السنة، من دون أي خطط حكومية لتخفيف الغلاء الحاصل وإيقاف التجار عند حدودهم، بفرض أشد العقوبات عليهم وسحب إجازات الاستيراد ومنحها لآخرين غيرهم، ووصلت السنة إلى نهايتها وهي ترسم المواطنين موتى في تابوت اسمه وطن يحمله مجموعة من ليرموا به في هاوية جديدة إن لم يستيقظ صوت الحق والقانون العادل بمحاسبة المسؤولين عن هذا الواقع.  

ختاماً

لعل الإنسانية والضمير يصحو ويعود الحق ليقتص من الظالمين بقوة ويعيد للسوريين حقهم في العيش بكرامة في بلدهم دون إذلال ولا فقر، كل عام وسورية معشوقنا الأول!

العدد 943 - 13/1/2021