فالج لا تعالج!

ريم الحسين:

تأتينا اليوم المكرمة العظيمة للحكومة بكيلو سكر وكيلو رز و٢٠٠غ شاي لكلّ مواطن على البطاقة المسماة اصطلاحاً ذكيّة، وحتّى الآن لم يلمس المواطن ذكاء هذه البطاقة، وإنّما منذ أن وجدت مازالت المعاناة والوقوف في طوابير على الغاز نتيجة عدم توفّر المادة كما يجب، إضافة إلى فساد القائمين على التّوزيع وبيعهم لنصف الكمية في السّوق السّوداء بأكثر من ثلاثة أضعاف سعرها! والغالبية العظمى من الشعب لم يحصل على حصته من مادّة المازوت المدعوم والّتي هي أصلاً لا تكفيه ربع الشّتاء، وسينتهي هذا الفصل دون الحصول عليها كما جرت العادة، وكان الهدف الأساسيّ من هذه البطاقة حلّ مشكلة النّقص والفساد، وعلى أرض الواقع زادت من المشكلتين! البطاقة الّتي بدأت بالفترة الذّهبية الّتي لم تتجاوز عدّة أشهر بطريقة جيّدة عن طريق الاتصال بصاحب البطاقة ليحصل على حصته الشّهرية، لكن كأيّ حلول في هذا البلد تبقى مؤقتة وتعود الأمور إلى سابق عهدها بل إلى أسوأ! وفي خضّم اللّعنات على هذي البلاد يأتي الشّتاء متصدّراً القائمة.

وهكذا الجديد اليوم الّذي تتحفنا به حكومتنا الفاضلة أنّ على المواطن الآن الوقوف على طابور جديد من أجل الحصول على كيلو سكر مدعوم! المشكلة في الكوميديا الغريبة الّتي ترافق السّوريين مع كلّ ألم يعيشونه وشعورهم الدّائم بأنّ حكومتهم منفصلة عن الواقع وتعيش في كوكب آخر، حكومة الطّوابير وسياسة إفقار الشّعب وإذلاله.

الدولار اليوم وصل إلى ١٠٠٠ ليرة سورية والأسعار تتغيّر يوميّاً إلى ازدياد مخيف حتّى انعكس الوضع المعيشيّ السّيّئ على أيّ قضيّة أخرى، فالمواطن يريد قوت يومه ولتذهب السّياسة للجحيم!

ربما نفد من هذه البلد الكفاءات والخبرات وأصبح كلّ مواطن يقدّم النّصائح ويعبّر عن استيائه الشّديد وعدم قدرته على التّحمل، فالبرد نهش الأجساد، والغلاء نهش الأمعاء، ولا صدى أو جدوى منذ عدّة سنوات، فأصبح الحديث عن الوضع المعيشيّ مكرّراً ومملّاً لدرجة (فالج لا تعالج). الوضع على ما يبدو ميئوس منه ومن علاجه، فأصبح الحلم إمّا بالخلاص عن طريق الهجرة أو الموت!

تحوّلت أحلام المواطن السّوري إلى ربطة خبز بعد نضال طويل، ومكان في باصات النّقل الداخلي بين الحشود المجتمعة بعد صراع مديد هي أقصى ما يمكن أن يُشعره بالغبطة والسّرور، وهذه الحالة المثالية لقتل ليس فقط الأحلام وإنّما الإبداع والرّغبة في العمل أو الحياة بشكل عام.

فضلاً عن مواضيع أكثر حساسيّة تتعلّق بالشّباب الّذي خدم وطنه تسع سنين ووعود متكرّرة له بالتّسريح وخصوصاً مع قدوم دفعات جديدة إلى شُعب التّجنيد ،هؤلاء الأبطال الّذين ذهب شبابهم على السّواتر والثّغور والمعارك ألّا يحقّ لهم بعد هذا التعب أن يحصلوا على السّلام والرّاحة وأن يفكروا ليس فقط في بناء عائلات لهم، فأبهى سني حياتهم ضاعت بالحرب وحتّى إن حصلوا على تسريحهم سيعودون إلى حياة الفقر والعوز لكن دون رصاص ألّا يستحقّون تقديراً لكلّ تضحياتهم بإعفائهم وتقديم العون لهم ليتمكّنوا من البدء ببناء حياتهم من جديد؟!

هذا الهمّ الجاثم والأثقال العظيمة على ظهور الشّعب المسكين تتحوّل لحالة يُرثى لها، والقتل المعنويّ أشدّ فتكاً من القتل الجسديّ، أرواحٌ تائهة ضائعة حزينة وأجسادٌ لم تعد تقوى على النّهوض، ومع كلّ انحناءة خنجرٌ يُغرس في صدر الوطن المنكوب.

المجد للشّهداء، حماة الدّيار عليكم سلام.

 

العدد 921 - 29/07/2020