شعراء بالنيابة (بالوكالة)

عباس حيروقة: 

تحدثنا سابقاً وغير مرّة عن ظواهر تفشت وعشّشت في مشهدنا الثقافي، فساهمت بشكل أو بآخر في رسم صورة لا تليق بالثقافة السورية وعراقتها.

فقد تحدثنا عن تعزيز المشوّه والهش من النتاجات والتصفيق المجاني له والعمل على دفعه نحو الأمام، ليتقدم ويتصدر واجهة مشهد ثقافي عام ويصبح سمة عامة.

أما ما سنتحدث به وعنه في هذه العجالة فهو لا يقل خطورة عما تقدم، بل يعكس صورة أخرى من صور التّشوه القيمي الأخلاقي الجمالي عند مَنْ يُفترَض أنه يعمل في حقل ثقافي يعتبر الأرقى في منظومة النشاط الاجتماعي الإنساني ألا وهو الأدب، فكيف إذا وصل هذا التّشوه إلى الشعر الذي يعتبر الصورة الأرقى له.

ظاهرة كتابة الشعر بالنيابة وذلك لقاء مبالغ مالية حيناً، ولقاءات عاطفية حيناً آخر،

هذه الظاهرة لم تعد تخفى على أحد.

في الأيام الأخيرة قيّض لي أن أطّلع بشكل مباشر على تفاصيلها من قبل بعض سدنتها، وحين يذكر لك أسماء من يكتب لهم تكاد تصاب بالدهشة والصدمة.

وبالمقابل تتأكد حين تُذكر بعض الأسماء الأخرى أنك كنت على صواب حين أبديت رأيك وعلى الملأ في شعر فلان أو فلانة من المتطفلين والأدعياء، وآمل أن يتاح لنا في القادمات من الأيام تسليط الضوء عليهم.

والشيء المحزن والمؤسف، والذي يمكن إعادة قراءة تفاصيله بدقة أكثر ورؤية أوسع في غير موضع، حين يذكر لك صديقك الشاعر الذي يقوم بفعل الكتابة والإبداع ما هو المقابل أو التعويض، حينئذٍ تشعر بحجم القهر والظلم والتعسف الذي وقع علينا، على الثقافة، على الشعر.

أو يذكر لك طريقة المساومة وأدواتها فتدرك حينئذٍ هول التردي الذي وصلت الحال إليه.

شاعر حقيقي يرفل بالمحبة والطيبة والوفاء والنبل، ولكن ضاقت به سبل العيش والحياة، فكاد أن يجوع لولا ما قام وما زال يقوم به، قال لي وبالحرف الواحد:(إنني غير راض ولكن الجوع والمرض والحاجة أشد ظلماً وقهراً).

هو وغيره من المبدعين ضحية واقع مرّ ومؤسسات أشد وطأة من هذا الزمن المخيف

والمحزن، بل والمرعب أن ترى تلك المدعية تقف على أهم المنابر الثقافية وتنشد ما فاض به ذاك الجرح النازف.

يكتب لهذه مجموعة شعرية ولذاك مجموعتين أو ثلاث، تصبح تلك في ليلة وضحاها شاعرة وعضوة في اتحاد الكتاب العرب، ويصبح ذاك المكتنز ذهباً وفضة وسلطة أكثر بهاء وحضوراً وعضواً أيضاً في غير مؤسسة ثقافية.

كل هذا يدعو لطرح الأسئلة الأهم كما اكتب دائماً، أسئلة الثقافة والمثقف، وهذا ما يدعونا جميعاً أن نكون أكثر جرأة في رفع الغطاء عنهم وأن يعمل اتحادنا، اتحاد الكتاب العرب، على مراقبة هذه الظاهرة وأن يكون أكثر تشدداً في قبول هذا وتلك، وأن يدرج بند المقابلة حتى يتأكد من شعرية وشاعرية من يتقدم لنيل العضوية.

ما أحزن الشعر، وما أحزن الشعراء!

العدد 919 - 15/07/2020