الثقافة سلاح العولمة الفتّاك

بولس سركو:

عدت من مشواري الصباحي اليومي، ففوجئت بعبارة مكتوبة باللغة الإنكليزية، بخطّ أسود عريض، على حائط البناء الذي أسكن فيه، ترجمتها العربية: (أنا لست شخصاً سيّئاً) مرفقة بثلاثة شعارات: (نجمة داؤود، والماسونية، وصليب النازية المعقوف). وبربط الشعارات بالعبارة يكون المعنى: (أنا المنتمي إلى الكيان الصهيوني والمنظمة الدولية الماسونية والنازية، لست شخصاً سيئاً).

أصابتني قشعريرة وتطايرت في رأسي الأسئلة حول سرّ اجتماع ثلاثة شعارات عرقية عنصرية بغيضة ليست على وفاق ظاهرياً، ولم يسبق أن رأيتها في حياتي في أي مكان داخل سورية؟

ولماذا كُتبت في هذا المكان بالذات دون سواه تحت جناح الظلام؟ إذ علمت بأنها لم تكن موجودة قبل الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، وما إذا كان علينا التعامل معها كحدث عابر قام به مراهقون جهلة لا يعرفون أبعاده ونتائجه، أم هو حدث مدروس ومتعمد قامت به جماعة منظمة؟ إضافة إلى الجرح المؤلم الذي أصاب روحي بسبب الشعور بالفشل، فشلنا جميعاً بوصفنا أفراداً وأحزاباً ومؤسسات ثقافية وتربوية رسمية، في تحصين وعي شعبنا وإكسابه المناعة اللازمة للتصدي لثقافة العولمة المتوحشة وخرقها للقيم الوطنية والإنسانية.

أيّاً كانت الإجابات، فصدمة هذه اللحظة استعادت في ذاكرتي صدمة الليلة التي اصطخبت بالآلاف من قارعي الطناجر، بناء على إيعاز الشيخ العرعور من شاشة فضائية دينية خارجية محرضة ومعادية لبلدنا، وربما أكثر، لأنه إذا كان العامل المذهبي قد فعل فعله في ذلك التحدي الانفعالي الخارق الخالي من الولاء الوطني، فما هو العامل الفاعل في نشر شعارات عنصرية معادية للإنسانية ولبلدنا دون أي رادع ذاتي؟

بالمقارنة مع حالة التضامن الاجتماعي الداخلي التي سادت أيام حرب تشرين التحريرية، كحدث تاريخي مفصلي، نكتشف مدى عمق التغيرات التي حصلت داخل الجسد السوري منذ ذلك التاريخ، مدى تراجع القيم الوطنية والإنسانية أمام الغزو الثقافي للعولمة المتوحشة، (فقّاسة) الفيروسات الطائفية والمذهبية والعرقية والعنصرية التي أوهنت هذا الجسد، بفتح القابلية لولاءات ومرجعيات عابرة للحدود.

إذا افترضنا وجود عالم تسوده العدالة، فينبغي بنشوء ظاهرة كالعولمة فتح حوار تفاعلي يراعي خصوصيات مختلف الثقافات المتجذرة في بنية المجتمعات المتنوعة التي تعتبر روح هذه المجتمعات وعناوين هوياتها، ولكن نشوء ظاهرة العولمة في ظل القطبية الاحادية وسياسة الهيمنة الأمريكية على العالم أمر مختلف تماماً، وبعيد كل البعد عن طبيعة الحوار بين ندّين، هذه النشأة تحمل في طياتها الإقحام والقهر والغزو والفرض بالقوة، بالتقنيات الحديثة ووسائل إنتاج المعرفة والدعاية والإعلام والاتصالات ومختلف آليات النفوذ غير المسبوق على مستوى العالم، فرض الثقافة الأقوى بامتلاكها لتلك الآليات، لإلغاء الثقافات الأضعف وتبديدها، وخلق ثقافة عالمية شاملة بلا حدود، تقحم القيم الأمريكية السياسية والفكرية والأدبية والفنية وتصبغ بها عالم الأرض بطبيعة واحدة، تتخذ من الأديان والجنسيات والأعراق مظهراً لتعدديتها الشكلية المفتقرة للضد الإنساني السيادي العلماني الحقيقي الذي يتهددها.

هذه العولمة هي التي استخدمت الثقافة عاملاً حاسماً في الصراعات المعاصرة، في عملية تغيير أشكال الوعي. فهي التي خلقت أزمة الهوية الخانقة، كأن يشعر سوري ما بالانتماء لآل سعود أو لأردوغان التركي ولا يشعر بانتمائه السوري، أو يتبنى شعارات عنصرية رجعية بدلاً من الشعارات الإنسانية الوطنية والتقدمية، موهوماً بأنه يكتسب بطاقة الدخول إلى العصر الجديد من أوسع أبوابه، باب (القطيع العالمي للتبعية).

ونحن لا نعفي أنفسنا من وصول حشود من السوريين إلى هذا المستوى من الضلال، ولكن اعترافنا بالفشل لا يعني في المقابل وقوعنا في اليأس، ولا يعني  أننا استسلمنا لأمر واقع، بل العكس، إنه الحافز على مضاعفة الجهد من أجل الخروج من هذه الغيبوبة، بخطاب ثقافي عصري ممانع يفهمه ويتقبله شبابنا، خطاب ديمقراطي وطني سيادي منفتح، بوسائل غير تقليدية تسلك طريقها إلى عقول هؤلاء الشباب بسلاسة، وهي المهمة الأكثر إلحاحاً أمامنا جميعاً اليوم في المواجهة، وإلا فسنقف قريباً مكتوفي الأيدي ونحن نشاهد شعارات أعدائنا على جدران مبانينا وألبسة مراهقينا وفي سلوكهم وتصرفاتهم  في كل مكان، وحينئذٍ لن ينفع الندم.

يقول المهاتما غاندي (لا أريد أن يكون منزلي محاطاً بالجدران من كل الجوانب ونوافذي مسدودة، أريد أن تهب ثقافات كل الأوطان على منزلي من جميع الجهات وبكل حرية، لكنني أرفض أن يقتلعني أحد من جذوري).

أن يتعلم شبابنا كيف يستمتعون بنسيم الثقافات كافة، دون أن يستطيع أحد أن يقتلعهم من جذورهم، هو أنبل ما يمكننا فعله من أجل وطننا وأبنائه.

العدد 882 - 16/10/2019