خرفـان… سقـراط السـوري

شروق ديب ضاهر:

كانت أحجار النرد تتدحرج بين طرفي طاولة الزهر في حركة مكوكية تواكب تدحرج ثرثرة النقاش بينهما، بينما تناوبت قرقرة النراجيل ضابطةً إيقاع الحديث. وهل هناك حديث بين اثنين غيره: الحرب، الأزمة، قصص المعاناة، الواقع الجديد، شظف الحياة؟!

نظر في عيني صاحبه مليّاً وساد بينهما صمت قصير لم يعكر ضجيج المقهى، زفر من صدره سحابة التبغ قائلاً بسخرية: هل انتهيت من عزف أسطوانتك المملّة؟

ألم يشبع غراب الشؤم الساكن في حنجرتك نعيقاً؟ حتى سويعات المساء التي نلجأ فيها إلى ضجيج المقهى هرباً من ضغط الحياة لم تسلم من تذمرك وتأففك وتطاولك على قدرٍ من الأجدر بك قبوله والتآلف مع مستجداته والرضا بكنز القناعة به.

أجابه والدهشة ترسم خطوطها البيانية على جبينه: أي أسطوانة وأي قدر يا رجل؟

هل تسمي لفيف المصائب الذي يطوّق أعناقنا وشباك العناكب التي تنشب في جيوبنا قبل نهاية الشهر بثلاثين يوماً قدراً؟

وهل أضحى توصيف واقعنا تشاؤماً مملاً؟ ثم هب أنني أنظر إلى النصف الفارغ من الكأس، طيّب، تفضل يا سقراط عصرك وأدلِ بدلوك علَّ تفتّق العبقرية من بين أسنانك المصفرّة تفتح بصيرتي ولو على رشفة ماء في كأس فلسفتك.

هزَّ رأسه بهدوء وأجاب برزانة الحكماء: يا صديقي لست أنا ممن يطحن ماء البحر راجياً الدقيق، ولست ممن يظنون الخفافيش فراشات، لا أحد يستطيع نكران المصيبة التي حلّت بنا، لكن انظر إلى حجر النرد هذا بين أصابعي، له ستة وجوه منها ما يحبس أحجارك في خانة (اليكّ) ومنها ما يفكّ أسر الحبس إلى فسحة الفوز. يا أخي اعتبرني واحداّ من جماعة (أشعل في الظلام شمعة بدل لعنه!).

– حسناً تفضل فأشعل شمعتك ونوِّرنا!

اعتدل في جلسته وقال مبتسماً: على سبيل المثال ألا ترى معي أن هذه الحرب خير بلسم لآلام ظهورنا نحن الرجال؟

أما كنت قبل الحرب تعتلي سلّم البناء محملاً بأكياس الخضار والفواكه واللحوم فتدخله وقد توهج جسدك عرقاً وأصاب التشنج ظهرك؟

ألم يكن هذا المشهد عادياً غير ذي قيمةٍ عند أفراد عائلتك رغم تعب ظهرك وألمه؟ اليوم يكفي أن تلتف عقدة كيس أبيض صغير في داخله نصف دجاجة حول بنصرك كي تصعد السلم بنشاط قرود تانزانيا، وتدخل المنزل وسط التهليل والتكبير مزهواً كالسلطان.

حكّ صاحبه شحمة أذنه بسبابته معلّقاً: نعم…كالسلطان.

– ألا يشعر الزوجان اليوم براحة ما بعدها راحة بعد غياب مشهد أهله وأهلها عن مسرح حياتهما في أوقات العطل، فلا هو مضطر لإيصالها إلى قرية أهلها نظراً لعدم توفر البنزين وغلائه إن توفر، ولا هي ستقضي آناء الليل تحضّر وليمة لأهله المتربصين بمائدتها نظراً لضيق ذات اليد، لقد حوّلت الحرب منزل الزوجية أيام العطل إلى مملكةٍ يعمّها السلام والوئام يجلس فيها الزوجان على سرر متقابلة على الأرائك متكئين تماماً كالسلطانة والسلطان.

هرش صاحبه أرنبة أنفه مفكّراً: نعم… كالسلطانة والسلطان.

– صحيح أن الحرب حرمت مواقدنا طعم الوقود وأحالت مدافئ الكهرباء والغاز في منازلنا إلى التقاعد، لكنها في الوقت نفسه ألغت الفروق الحرارية بين بطون المنازل وخوارجها، وأضحى القر قاسماً مشتركاً بين المنزل والشارع، الأمر الذي شدّد مناعة أطفالنا ضد أمراض الشتاء وأجبرهم على التآلف مع برده، وتلك منّة من المنّات لا يجحدها مؤمن، لقد صار أطفالنا في صحتهم سلاطين تخرّ لهم الأدواء ساجدينا.

قرقر صاحبه بنرجيلته مطرقاً: همم…. سلاطين.

– مما لا شك فيه يا صديقي أن الحرب غيّرت عادات معظم السيدات السوريات، وفتّقت قرائحهنّ عن مواهب وإمكانيات ما كن يمتلكنها قبلها، فبعد أن تحوّل البراد في المطبخ إلى (نمليّة) اضطرت سيدة المنزل إلى إتقان شتى طرق التجفيف والتقديد والتشميس والتخليل والتمليح والتحنيط من أجل تأمين مؤونة كانت تتكل على الثلاجة في حفظها، وكثيرات منهن أشحن النقاب عن آلات خياطة ورثنها عن أمهاتهنّ أو جداتهنّ ليدخلن عالم تصميم الأزياء من أبوابه الواسعة، فتتحول الأثواب القديمة بقدرة قادر إلى صرعة من صرعات الموضة الجديدة، فضلاً عن أفانين السحر وخفة اليد في فن الطبخ، إذ تستطيع السيدة منهن إقامة وليمة لعشرين شخصاً بنصف دجاجة. بالفعل أعادت الحرب المرأة السورية سلطانة تدبير منزلها.

تمتم صاحبه: نعم سلطانة.

– يا صاحــبي إذا فكرت بقضية غلاء أسعار اللحوم لدخــل السوريون كتاب (غينيس) في الرفق بالحيوان، فتحريم المشوي والمقلي والمحمّر والمقمّر على الموائد ينعكس بشكل إيجابي على الصحة الجسدية العامة في المجتمع، إضافة إلى ما يحــمله من قيم سامية في الحفاظ على الحيوانات كأرواح، فالخروف عنــدنا صــار من أصحاب العمر المديد يسرح ويلعب في مرعاه تمــاماً كما السلطان. أعتذر منك يا صاحبي تلقيت للتو رسالة نصيّة على جوالي بضرورة العودة إلى المنزل.

حسناً رافقتك السلامة، ولكن لا تنسَ اليوم دورك في دفع الحساب، أومأ برأسه موافقاً وغادر.

بعد نصف ساعة نهض وارتدى سترته يريد مغادرة المقهى، وفي طريقه إلى الباب الخارجي استوقفه النادل قائلاً: عفواً سيدي حساب الطاولة من فضلك!

احمرّ وجهه غضباً وسأل النادل مستهزئاً: ألم يدفع السلطان الفاتورة؟ أجابه النادل: صديقك السيد سلطان خرج مستعجلاً ولم يدفع شيئاً. مدَّ يده داخل معطفه وأخرج حافظة نقوده قائلاً للنادل: صديقي اسمه خرفان لكنه يظن أن الحرب جعلته سلطاناً.

 

العدد 890 - 11/12/2019