أحاديث نسائية بعيدة عن التطبيق
وعد حسون نصر:
حال الحركات النسائية في بلدي ليس وليد اليوم، وإنما قديم قدم وعي بعض النساء لحقوقهن ووجودهن في المجتمع، إنه حال غير مفرح باعتباره محدوداً ومقيّداً بجملة من النظريات والأفكار اللفظية بعيداً عن التطبيق، وبالمقابل أيضاً لا يمكن تجاهل النشاطات النسائية قبل الأزمة، ووجود المرأة في كثير من الأماكن التي تخولها اتخاذ القرار. وحتى خلال الأزمة ظهرت منتديات نسائية كثيرة، منها ما كان ضمن السياق المحاذي لتطلعات الحكومة، ومنها ما اتخذ خط سير مخالف، ليبرز ذاته على أنه نصير لحقوق المرأة والسد المنيع في وجه جليدها، والدليل المرشد لها لنيل مطالبها واسترداد وجودها المسحوق من الرجل واثبات مكانتها، بتبوؤ مراكز في المجتمع تخولها اتخاذ قرارات مصيرية، على اعتبار أنها شريك للرجل والنصف المنتج للمجتمع. طبعاً كل هذا هو ما أدلت به بعض المنتديات المناصرة لحقوق المرأة، وكتبته بأقلام ملونة على كرتون ملون وألصقته على الجدار، وباتت تردده في كل اجتماع لها، ليضحي منشوراً يُقرأ مثله مثل أي صحيفة، أو شعار يردد مثله مثل أي شعار حزبي.
ويبقى لنا السؤال: ماذا قدمت تلك الحركات والنشاطات والمنتديات للمرأة قبل الأزمة وأثناءها؟ وحتى حين تنتهي الأزمة ماذا ستقدم لنصرة المرأة؟
لا شيء يُذكر!
فقد اقتصر نشاط الأغلبية العظمى منها على الشق النظري بعيداً كل البعد عن التطبيق والعمل، وباتت هشّة وحضورها ضعيف، لأنه من غير المعقول أن تستمع المرأة لمحاضرة، في أزمة طاحنة وأمعائها وأمعاء أطفالها تصدح بالجوع.. ولا يمكن أن تركّز على نظريات حقوقية، وعظامها وعظام صغارها تتراقص على إيقاعات البرد القارس. وبالتالي، تحت أسقف مراكز الرعاية لا فكر مع الجوع ولا حرية رأي مع البرد. وتزامناً مع هذا كُنّا لاحظنا في الآونة الأخيرة نشاطاً واضحاً لبعض التيارات الدينية النسائية على الأرض، ويلقى الدعم والمباركة، وطبعاً من الواضح حضورها والإقبال عليها وتمويلها بشكل مدروس ومنظم بحيث غطّت الفراغ الموجود، فكانت أشبه بسدٍّ منيع في وجه الحركات النسائية الأخرى من دعاة الفكر الحر والعلمانية والمدنية، وهذا يعود لعمل مثل تلك الحركات بشكل تطبيقي وعملي بعيداً عن الكلام والنظريات، حركات وتنظيمات عزفت على وتر سد حاجة نصيراتها وتلبية المطالب المرجوة، والتي تُعنى بالمرأة، في ظلّ الأزمة بشكل خاص من تأمين عمل ذي مردود، إلى تأمين الزوج المناسب ليكون الستر والغطاء، وهذا، على ما يبدو، هو ما غاب عن بال النساء والناشطات العلمانيات، وعن نشاطهن، بأنه لا حرية ولا فكر، ولا حتى ثورة، مع استشراء الجوع والعوز والفقر والبرد، فأدب البلاط وشعر النبلاء وحقوق الحرائر لا يكتمل إلاّ بوسادة ناعمة وغطاء حرير، ومعدة ممتلئة وسقف يُظلل ويستر العورة، لهذا السبب وأسباب أخرى كانت نشاطات بعض المنظمات والحركات النسائية المناصرة للمرأة ضعيفة، لتركيزها على الجانب النظري، وتقييدها في العملي منه لانعدام إمكاناتها المادية الموجودة لدى نظيراتها من التنظيمات الأخرى.