القبيسيات.. كرة الثلج!

سامر منصور:

كثيراً ما نشهد مبدأ كرة الثلج عندما يجري الحديث عن ظاهرة اجتماعية ما، ويساهم البعض بين الحين والآخر بإلهاب مشاعر الآخرين وتفجير الإشاعات بعيداً عن الوقائع ولغة الأرقام ومبادئ السيرورة الاجتماعية. فلنكن صريحين مع أنفسنا! قبل الأحداث التي عصفت بالبلاد كان معظم ما يسمى بالحراك الشعبي هو نتاج قرار، أو رهين قرار في المكاتب السياسية للأحزاب، وعلى رأسها الحزب الحاكم، وكذلك جُلَّ ما يُطرح في صحف الأحزاب من قضايا اجتماعية.

ولكن اليوم بعد ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، بدأ يتكوّن رأي عام غير مؤطّر بإرادة جهة أو حزب بعينه، والرأي العام يُعبّر عن درجة الوعي التي وصل إليها مجتمع ما، وعندما يكون المجتمع وصل إلى درجة وعي معينة، تقوده عادة النخب المثقفة على اعتبار أنها تتسامى عن المنافع الشخصية، وتحتكم وتلجأ إلى مشترك إنساني هو المنطق. ومع الأسف في فترات الاقتتال الدموي والحروب، تتراجع الحقوق والحريات الموضوعية لصالح شيطنة الآخر والأدلجة السلبية. وبما أن المرأة هي الحلقة الأضعف في المجتمعات الشرقية، فإن ذلك ينعكس عليها وعلى استحقاقاتها سلباً. ففي زحمة تبادل الاتهامات يجري إغفال عوامل النهضة الاجتماعية الموضوعية التي يتمثل جانب كبير منها بنيل المرأة لحقوقها، التي تمكّنها من أداء دورها الفاعل في مناحي الحياة الاجتماعية كافة. ومن زاوية أخرى، ليس من الحكمة إحداث تغييرات كبيرة عبر ضخ حزم من التشريعات الجديدة في مراحل الحروب وعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي، ومن الطبيعي أن يجري التريّث كي يتسنى للسوريين في المناطق السورية كافة التي مازال جزء منها خارج سيطرة الدولة، كي يتسنى لهم على الأقل إدراك ما يجري تشريعياً ومجتمعياً ومواكبته.

ولعلّ المرأة اليوم تدفع ثمن التقصير بنيلها لاستحقاقاتها في مرحلة ما قبل الحرب. وعندما يصبح هناك غلاء معيشي وتزداد أعباء الحياة وتتضاعف أعداد المعاقين في البلاد وأعداد الأيتام، لا يعود متاحاً للمرأة ذلك الجناح الذي يظلل كل هؤلاء بالرحمة ويمطرهم بالعطاء، لا يعود متاحاً لها الوقت والجهد والتضحيات اللازمة للحراك المدني.

وعطفاً على ما بدأنا به حديثنا، نلمس اليوم على مواقع التواصل الاجتماعي خاصة عبر صفحات العلمانيين تنديداً بما يسمونه استفحال ظاهرة المتشددات دينياً، وقد أصدرت وزارة الأوقاف بياناً لجلو أوهام هؤلاء، نفت فيه وجود تنظيم أو مؤسسة أو أي جهة دينية تحمل اسم (القبيسيات)، وأوضحت أنها تسمية قديمة، ولعل ما يجري اليوم تداوله على صفحات التواصل الاجتماعي من فيديوهات لنساء متدينات يرددن أناشيداً دينية وما شابه هو ناتج عن حرية تمتعت بها المرأة، أتاحت لها كسر الصورة النمطية لدور العبادة الإسلامية حيث يهيمن الحضور الذكوري. ولو كنَّ متشددات لاعتبرن أصواتهن عورة وتصويرهن فتنة، ولما سمحن بنشر الفيديوهات، ولنظمن أنفسهن للإبلاغ عنها وحجبها عن مواقع التواصل الاجتماعي، لا بل لخرجن مظاهرات ربما تطالب بإلغاء مواقع التواصل الاجتماعي التي تبث صورهنَّ وأصواتهنَّ. وإذا أردنا أن نكون منصفين علينا التحدّث بلغة الأرقام. فكم جريمة قتل أو جنحة تقوم على أعمال العنف؟ وكم من الجدران رسمن عليها شعارات طائفية وعبارات تحمل التهديد والوعيد؟ كم وكم سجلت الحركات النسوية الدينية المتطرفة من حالات اعتداء على الأملاك العامة والخاصة ومن الجرائم والجنح؟ صفر! إذاً، هناك (إسلاموفوبيا) لدى البعض، ومجرد امتلاك المرأة للجرأة والأدوات لتظهر نفسها في دور العبادة تقوم بما يقوم به الرجال، جرى توظيفه لنشر هذه (الفوبيا) على ما يبدو، وما دامت حرية الفرد تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين، فلا يحق لنا، ما لم ينتج أذى لأحد عن هذه الطقوس وليست تدعو إلى العنف، لا يحق لنا المطالبة بقمعها، وما دام الرجال يفعلون أموراً مماثلة، فلماذا يريد البعض تقييد حرية التعبير عن محبة الذات الإلهية أو أي ذات أخرى من قبل المرأة؟!

العدد 1183 - 23/01/2026