(اللانحن)..!!

 

شوارع دمشق.. كطريق المجهول الهارع نحو النور، أصداء الأنين تأتي من كل صوب، من أجساد الشوارع التي أتعبها الازدحام، من الأبنية العتيقة السوداء المغطاة بالغبار.. من عاطلي العمل وفي عيونهم كل تلك الآمال المقتولة، من المتسولين المنتشرين كالنمل ومن ورائهم الأوجاع المرهونة نهايتها بشفقة الناس الذين يحتاجون إلى من يُشفق عليهم أصلاً!

من طلاّب الجامعات الذين قدموا من غير مناطقهم، وفي جعبتهم الكثير من التوجّس.. ومن سكنهم الجامعيّ الذي يضيق بهم وبهمومهم..

يمكنُ لنا أن نكثر من التعداد.. وفي كلها طعنات متتالية..

إلّا أنه عندما نرى معالم موجودة، وكأنها رسخت في أرضها لتبثّ ماضيها على كل مارّ.. وتذكّرنا بما آلت إليه أحوالنا.. كمحطة الحجاز والمسجد الأموي، فهنا تكمن الطعنة الأكبر.. التي تحمل في طيّاتها صراخاً وحسرةً وآلاماً وتساؤلات.. بل آلاف التساؤلات، أن ما الذي جرى لنا؟ ما الذي أوقعنا في هذه الهوّة؟

ونحن الذين لطالما انتمينا إلى غير حضارات، بتنا الآن ننتمي إلى أشياء تنحصر كلها في حيّز (اللانحن)، ولكنها حولتنا ولا تزال دون أن نجد لها حاجزاً أو أمراً حاسماً يقول: يكفي!!

فوضى وجنون وصراعات وهمجيّة.. استغلال ورُشا وطموحات مذبوحة وأحلام متعثرة.

فنحن لا نعيش كي نصنع الأفضل أو نحقق إنجازاً.. بل كي ينتهي هذا اليوم ويأتي الذي يليه.. إننا نعيش لتتدافع الأيام وتنتهي ونحن نسرق خلالها ملذات من صنع غيرنا، يصدّرونها لنا لمعرفتهم كم ننبهر نحن.. وكم تتجاذبنا الآراء وكم يؤثرون بنا!

نحتاج للتفكير مليّاً، فمن تحت هذه العظام التي تحيط بأدمغتنا يكمن الحل.. وإن لم يتغير ما في هذا المكان بقينا على وضعنا وإلى الأسوأ لقرون، مهما فعلنا ومهما نظّرنا فنحنُ نسير نحو الأوهام ولا نرتقي سوى السلالم التي تسير بنا نحو مزيد من المجهول..

إن لم تننبثق الرغبة في وضع حدّ لانجرارنا وتمزقنا وتمزيق بعضنا، من صميم إرادتنا.. فسنبقى على حالنا من (اللانحن)، ومن ثم سنغدو وأبناءنا على هذه الحال المزرية..نشتم واقعنا ولا ندرك أننا نشتمُ أنفسنا..

وأنا أصرُّ وسأبقى مُصرّة على أننا نحمل الرقي ونملك البذرة التي تستطيع أن تردّ لنا بعض الحضارات التي كنا عليها..

ولكن هل نملك تلك الروح للعودة، والتي لا يمكن أن توجد إلا في مكان واحد: عقولنا؟!

فلننظر إلى الأمور بنظرات مختلفة ونبدأ باحترام قدراتنا، فقد بات هنالك أمور لا إرادية تتحكم بعواطفنا وحماسنا نحو أي إنجاز نريد القيام به، كحكمٍ استباقيّ وتعسفي أننا لا نملك القدرة أو الذكاء الكافيين كالغربيين!! وهذه الخطوة الأولى نحو فشلنا.. أجل قد لا نملك الإمكانات التي تتوافر لهم، ولكن لنا تركيبة أدمغتهم نفسها! ويمكن لنا أن نسعى لتحصيل إمكانات ولو ضعيفة كبداية، واستخدامها بطريقة مبتكرة.. ويحتاج الموضوع حتماً إلى الثقة بالنفس والصبر وعدم الإيمان بالمستحيل.. والمجازفة أحياناً!!

ويحتاج كذلك إلى تربية منفتحة وعصرية، إن صحّ التعبير، للأجيال القادمة، ويشمل ذلك تطوير مدارسهم ..فالموضوع إذاً للعودة من (اللانحن) الواقعين في شراكه هو قرار ذكي يتغلغلُ إلى صميم فكرنا ونجعله محور حياتنا.. وأن يتبنى الجميع فكرة التطوير في ذهنه، ويعتبر نفسه مرسالاً وعلى عاتقه تقع مسؤولية جمّة..

وكمثال فقد جرت إحصائيّة ل (إبراهيم حلمي الغوري، أطلس الوطن العربي والعالم) وهي تقارن ما بين هولندا ومصر، ففي حين تتوافر إمكانات هائلة لشعب مصر، كعدد مواطني مصر الذي يعتبر من معايير قوة الدولة، إلى ثروات عديدة كالغاز والبترول والحديد.. ومساحة واسعة، نجد أن متوسط دخل الفرد فيها 110 دولارات فقط، بينما في هولندا _ التي تعتمد بشكلٍ رئيس على الثروات الزراعيّة ومشتقات الألبان2670دولاراً شهرياً..!!

وإن كان هذا الشرخ في الفروقات يدل على شيء، فإنما على التباين الكبير بين نوعيّة الشعبين وطرق التفكير.. ولكي نتجه نحو الأفضل علينا أن نسعى نحو طرق جديدة تقود تفكيرنا.

العدد 1194 - 15/04/2026