وديع الصافي… صوت ماسيّ عصيّ على النسيان

خسرت الأوساط اللبنانية والعربية عملاق الغناء الجبلي، المطرب والملحن وديع الصافي، عن عمر يناهز 92 عاماً قضى أكثر من نصفها في الغناء. توفي الصافي مساء الجمعة في أحد مستشفيات لبنان بعد صراع طويل مع المرض.

وكان الصافي قد تعرض لوعكة صحية خلال وجوده في منزل ابنه، إذ شعر بهبوط حاد في الدورة الدموية، نقل على إثره إلى المستشفى، ولم تفلح جهود الأطباء في إنقاذه، بسبب عدم تحمل قلبه للإجراءات العلاجية. وقد شيع في كاتدرائية مارجرجس في وسط بيروت، ودفن في بلدته نيحا الشوفية، وأقيم له مأتم رسمي وشعبي حضره حشد من الشخصيات الفنية والسياسية والاجتماعية في بيروت.

كان لوديع الصافي الدور الرائد في ترسيخ قواعد الغناء اللبناني وفنه، وفي نشر الأغنية اللبنانية في أكثر من بلد، وأصبح مدرسة في الغناء والتلحين، ليس في بلده فقط، بل في العالم العربي أيضاً، واقترن اسمه بلبنان، وبجباله التي لم يقارعها سوى صوته الذي صور شموخها وعنفوانها، هذا الصوت الماسي العصي على النسيان.

غنى وديع الصافي أكثر من خمسة آلاف أغنية وقصيدة لحن معظمها، ومنها أغنية (طل الصباح وزقزق العصفور)، التي كانت أولى أغانيه عندما هاجر لمدة ثلاث سنوات إلى البرازيل في عام ،1947 وعندما عاد كرت سبحة الأغاني، فكان أبرزها (لبنان يا قطعة سما) و(صرخة بطل) و(الليل يا ليلى يعاتبني) و(شاب الهوى وشبنا) و(مريت ع الدار)، و(لوين يا مروان) و(عصفورة النهرين) و(الله يرضى عليك يا ابني) و(الله معك يا بيت صامد بالجنوب) و(موال يا مهاجرين ارجعوا).

كما غنى (طلوا أحبابنا) من ألحان الأخوين رحباني، ومع فيروز ونصري شمس الدين غنى (سهرة حب) و(يا شقيق الروح) و(عندك بحرية) من ألحان محمد عبد الوهاب، و(على الله تعود على الله) من ألحان فريد الأطرش.

من هو وديع؟

ولد الفنان الراحل وديع فرنسيس، المعروف باسم وديع الصافي، في 24 تموز (يوليو) عام 1921 في قرية نيحا الشوف اللبنانية، وهو الابن الثاني في ترتيب العائلة المكونة من ثمانية أولاد.

بدأت مسيرته الفنية عام ،1938 حين فاز بالمرتبة الأولى لحناً وغناءً وعزفاً، من بين أربعين متبارياً، في مباراة للإذاعة اللبنانية، أيام الانتداب الفرنسي. وذاع صيته عام 1950 وأصبح أول مطرب عربي يغني الكلمة البسيطة وباللهجة اللبنانية، بعد أن أضاف إلى أغانيه موّال ال (عتابا) الذي أظهر قدراته الفنية.

تزوج عام 1952 من ملفينا طانيوس فرنسيس، إحدى قريباته، فرزق بدنيا ومرلين وفادي وأنطوان وجورج وميلاد.  وفي أواخر الخمسينيات شارك مع عدد كبير من الموسيقيين اللبنانيين في عمل لنهضة الأغنية اللبنانية انطلاقًاً من أصولها الفولكلورية، من خلال مهرجانات (بعلبك).

في عام 1975 اندلعت الحرب الأهلية في لبنان، فغادر الصافي بلده إلى مصر بعد عام، ثمّ انتقل إلى بريطانيا، ليستقرّ عام 1978 في باريس. وكان سفره (اعتراضاً على الحرب الدائرة في لبنان)، ودافع في تلك الفترة عن لبنان الفن والثقافة والحضارة من خلال موهبته.

عام ،1990 خضع لعملية القلب المفتوح، ولكنه استمر بعدها في عطائه الفني بالتلحين والغناء. فعلى أبواب الثمانين من عمره، لبّى الصافي رغبة المنتج اللبناني ميشال الفترياديس لإحياء حفلات غنائية في لبنان وخارجه، مع المغني خوسيه فرنانديز والمطربة حنين.

يحمل الصافي ثلاث جنسيات المصرية والفرنسية والبرازيلية، إلى جانب جنسيته اللبنانية، إلاّ أنه يفتخر بلبنانيته، ويردد أن (الأيام علمتني بأنه ما أعز من الولد إلا البلد)!

كرّمه أكثر من بلد ومؤسسة وجمعية، وحمل أكثر من وسام استحقاق، منها ستة أوسمة لبنانية منها وسام الأرز برتبة فارس. كما منحته (جامعة الروح القدس) دكتوراه فخرية في الموسيقا في 30 حزيران (يونيو) 1991. كما أحيا الحفلات في سائر البلدان العربية والأجنبية.

العدد 1194 - 15/04/2026