ما بين الهوية والانتماء
لكلٌ منا بطاقة هويته الشخصية يحملها أينما ذهب، وتتضمن اسمه واسم كل من أبيه وأمه، ورقمه الوطني، وخانته العائلية، ولون عينيه وعلاماته المميزة…
وتعد صورة بطاقة الهوية أهم وثيقة في الأوراق الرسمية، ولها أيضاً معنى آخر فهي أكثر من مجرد قطعة بلاستيكية تحمل بياناتنا الشخصية وتدل على حمل الجنسية، إنما أيضاً هي مجموع العناصر المكونة والمميزة للشخصية مثل:الجنس، اللون، وغيرها من العناصر التي تشكل فرادة كل إنسان وتميزه عن باقي الشخصيات تماماً كبصمته الشخصية.
اليوم وكلنا أبناء سورية، فمنّا الدمشقي ومنا الحمصي ومنا الحلبي وآخر من السويداء أو الحسكة أو القامشلي… إلخ.
وما من أحد إلا وتعرضت منطقته للتخريب، ببنائها العمراني الحديث أو بآثارها التاريخية… وسؤال المقالة اليوم هو: إلى أي مدى يؤثر التعرض للآثار وتخريبها في مسقط رأس الإنسان خصوصاً أو أي مكان من بلده عموماً، على إحساسه بهويته الوطنية أو انتمائه الوطني؟
بمعنى، هل يمكن أن يسبب له ذلك ما يمكن أن نسميه جرحاً بالهوية النفسية والفكرية والإنسانية؟ وما أثر ذلك على مقدار حبه لبلده وانتمائه ؟ ما العوامل التي تسمح بتجاوز المرارة الشخصية وإعادة البناء بإيجابية؟
هل ما حصل بحمص وحميديتها، وحلب بأسواقها القديمة وقلعتها وجامعها الأموي، ودير الزور بجسرها، ومعلولا ومزاراتها، وغيرها وغيرها، من انتهاكات للآثار على مستوى الوطن يمكن أن يمر مرور الكرام؟
هل كرامة الإنسان مازالت من كرامة وطنه؟ ما الذي يجعلني أتمسك؟ وما الذي يدفعني إلى الرحيل؟
وإذا شبهنا الانتماء إلى الوطن بشجرة، فما الذي يغذي جذورها ويثبتها بأرضها؟ وما الذي يمكن أن يطيرها بالهواء؟ وإذا قلنا إن للأزمة السورية أوجهاً متعددة مثل: أزمة المحروقات والمواصلات، أزمة الغلاء ولقمة العيش، أزمة اللاجئين والنازحين، أزمة الأطفال والشباب، وأخيراً وليس آخراً هل يمكن أن نضيف أزمة الهويات والانتماءات؟
الأسئلة السابقة ماهي إلا أسئلة مفتوحة نفكّر فيها بصوتٍ عالٍ معاً، علّنا نجد إجابة، وتبقى كل الإجابات مجرد محاولات لفهم موضوع الانتماءات والهويات.
أما عن علاقة الهوية بالانتماء فيمكن القول: إن الإحساس السليم بالهوية الوطنية يؤدي إلى إحساس سليم بالانتماء إلى الوطن، والجهل والنقص في فهم الهوية يؤدي إلى اضطراب في الانتماء الوطني وفي الفعالية تجاهه.
وأما عن أسباب الإحساس السليم بالهوية فمصادره متعددة، ومنها:التربية البيتية، المناهج المدرسية، المعرفة والوعي الجيد للتاريخ والحضارة الخاصة بالشعب والذكريات الطيبة وغيرها.
بعد اللقاء مع عدة أشخاص وسؤالهم عن تأثير تهريب الآثار وتخريبها وتهديمها وسرقتها، على إحساسهم بالهوية الوطنية، تعددت الإجابات: فمنهم من شبه الحرب بالمرض الذي يصيب شخصاً نحبه، فواجبٌ علينا أن نبقى بجانبه ونرافقه في محنته. وآخر يقول إنه يجب أن لا نضع صفة إسلام أو مسيحية على الآثار، فهي آثار سورية بالمرتبة الأولى، ويؤمن بدور الإنسان السوري القادر على إعادة ما دُمّر من البنيان.
وهنالك من يشعر بنقمة كبيرة لما حصل بآثار بلدته، ويتمنى ترك البلد، فعندما ذهب الغالي فلا أسف على الرخيص.
والتقينا شابة دمشقية فقالت إنه لو حصل أي شيء لدمشق فستنتهي كل حكاية الانتماء وما يتبعها من وطنية. أضف إلى أن موضوع الانتماء والهوية يبقى ضمن دائرة التنظير، والتعلق بالوطن مرتبط بأهله والمقربين، فالوطن ناس وإذا أصيب أحدهم بأذى فوداعاً للوطنية.و بالمقابل نجد أحداً يقول إنه عندما تهدأ الأحوال سيساهم بماله الخاص في محاولة ترميم الآثار التي تعرضت للتدمير في منطقته.
أضف إلى أن الكثيرين لا يعنيهم موضوع الآثار والمخزون الحضاري السوري، فهذا يشكل آخر شيء يمكن أن يهتموا به، أو يحافظوا عليه، فهنالك جهل شبه تام للهوية السورية أصلاً وانقطاع تاريخي عنها أيضاً.
وفي لقاء مع مختصين بعلم النفس رصدنا رأيهم بالموضوع، فأكدت آراؤهم: أهمية الأثر العيني للحضارة، فهو يؤكد للأجيال المتعاقبة وللإنسانية عن يقين وجودها، الحفاظ على ما بقي منها. وبالتالي إن أول مرحلة من مراحل تفكيك المجتمع هي تخريب آثاره وتدميره الممنهج، مع التأكيد أن ضياع التراث الحضاري السوري يمكن أن يعيدنا إلى انتماءاتنا القبلية.و أشاروا إلى ضرورة ترميم فهمنا نحن البالغين لهويتنا الوطنية، والعمل على بناء سليم ومعرفة جيدة للهوية لدى الناشئين، لأن الموروث الحضاري يرمز للحماية والأمان والقوة، وعندما نفقده سنفقد شعورنا بالأمان والاستقرار وسنكون بلا سند ولا مرجعية.
وإذاً، علينا أن نُقيم ونعمق معرفتنا لذواتنا وهويتنا الوطنية، وأن نفهم أكثر أسباب حبنا وانتمائنا إلى وطننا مرة، وبعدنا عنه وإنكاره مرة أخرى، ولنتذكر دائماً أنَّ (حب الوطن من الإيمان)، الإيمان بالعمل، الإيمان بالحب، الإيمان بالحياة، الإيمان بإرثنا وحضارتنا، الإيمان بمستقبلنا.فمن لا يؤمن لا يحب.. ومن لا يحب لا ينتمي.. ومن لا ينتمي لا يبني!