رحيلهم كبرياء
سآتي غداً فلا تنامي.. وافرشي ليل الفراق بساطاً مخملياً من قُبل.. وهيئي لي صدرك وسادة من أشواق.. .انتظري قدومي فالحنين يلتهب في قلبي كما البركان.
كيف للمتيّم في الهوى أن ينام؟! دارت الدنيا فيها دورة فرح لم تعهده.. فمسحت عن وجنتيها دموعا سالت في صحاري الانتظار.. حبيبها قادم مع بزوغ الفجر.. سافر الخوف إلى منفاه.. آن لفؤادها المعذب أن يرتاح.. بعد ليال أرّقتها على فراش الوساوس.. تتقاذفها الهواجس والدموع.. كثيراً ما مرت الدقائق ثقيلة والذعر يصاحبها.. منتظرة اتصاله، ليضع نهاية شقائها في ثوان، وهو الذي اعتاد مهاتفتها كي يروي لها حكاياته في صفوف المتطوعين.. أولئك الأبطال الذين نذروا أنفسهم لمساعدة ضحايا الحصار المقيت.. رجال لم تستطع فظائع الحرب أن تلطخ نقاء إنسانيتهم في وطن انتحرت فيه مشاعر الإنسان وتعطشت جوارحه للدماء.
إنه آت.. .والفرح آت.. والروح تتوسل الله خاشعة كي يحفظه من شرور آلهة الحرب ووحوش الخراب.. .لكن القدر كان له تدبير آخر.. .وجاءها الخبر كصاعقة أضرمت النار في قصور أفراحها وهدمت جسور أحلامها.. .(استشهاد متطوعين أثناء محاولتهما الدخول لمساعدة المحاصرين)!
توقفت الأرض لحظة عن الدوران.. وشحبت ألوان الحياة.. كل ما حولها بات بارداً لاروح فيه.. أعاصير الحيرة اجتاحت وجدانها.. .وبعثرت سعادتها.. استجمعت قواها.. وأمسكت هاتفها بيدين مرتعشتين.. طلبت رقمه ودموعها تسيل يائسة دونما وعي.. فيجيبها صوت غريب.. تسأله بلهفة الغريق: أين حبيبي؟! فيأتيها الجواب ليدمر آخر آمالها: إنه الآن من الشهداء..
تجمّد الكون فجأة.. وارتدى العالم ثوب الحداد.. أيعقل أن يباغتها حبيبها بالرحيل دون وداع؟!! وهل كانت تبذر ساعاتها بالتزين استعداداً لاستقبال جثة مشظاة؟! وكيف لصقيع النعش أن يعوضها عن دفء أحضان حبيبها؟. وأنى لحياتها أن تستمر دونه؟!! استسلمت لانهيارها أمام فاجعة الفقدان.. فغابت عن الدنيا دونما إرادة.
في ظلمتها الحالكة تلك، قرع الموت باب ألمها بحلته البغيضة،وقف بالقرب منها، ومدّ ذراعيه ليفترسها، فارتعدت أطرافها، وراحت تحاول جاهدة الفرار من براثنه، تركض.. وتركض.. وتصرخ بملء صوتها: لن تنال مني أيها الموت الآتي قبل موعده،فأنا سأدق مسماري في ذاكرة الحياة!
هبّت من غيبوبتها مذعورة،فإذا بمأساتها قد عرّتها حتى من الأحلام.. علت ضربات قلبها المضطرب.. وراح جسدها يرتعش وكأنما زلزال ألمّ به.. تراءى لها طيف فارسها متبسماً في الأفق.. ثم اختفى.. فعبر بها من غيبوبة اليأس إلى صحوة لم تعهدها. اتخذت قرارها فأحرقت عباءات الخوف.. وأتلفت براقع اليأس التي حاكتها أثناء سجنها بين قضبان الاستسلام.. وارتدتها قسراً في زمن سطا فيه الموت واغتيلت الأمنيات..
أدركت الآن حاجتها لأن تتحدى أهوال الحياة.. استشعرت واجبها نحو الوطن.. فنهضت مسرعة عن سرير حزنها.. تاركة للألم حرية التجول بعيداً عن قلبها.. بعيداً عن روحها التي تاقت لترفرف بحرّية في فضاء الآمال..
راجعة.. راجعة تتعمّري يا شام.. ودماء أبنائك لن تذهب هدراً.. لكِ وحدك يا سيدة المدائن يليق الجمال، وساعدي وسواعد أبنائك كرمى لبقائك سيدة الشرق!