الثوّار الحقيقيون هم صناع الجلاء

مهما تتالت السنون، وتباعد الزمن، تبقى صورة ذلك اليوم المهيب مغروساً في عيون من بقي شاهداً حياً عليه، وفي قلوب كل الأجيال التي تعاقبت على الحياة بعده، إنه يوم 17 نيسان عام ،1946 يوم الجلاء الخالد، يوم تطهير تراب الوطن من رجس الغزاة الافرنسيين وإعلان استقلال سورية، دولة حرة ذات سيادة، إنه عيد أعيادنا الوطنية.

والحقبة التاريخية الممتدة من تاريخ بدء الاحتلال في 24 تموز ،1920 يوم سطر فيه البطل يوسف العظمة مأثرته الكبرى بالتصدي للمحتلين، رغم الفارق الكبير في ميزان القوى، هذه الحقبة تمتد، من وجهة نظرنا، حتى الآن، لأنها شهدت كل أشكال النضال، وتعاقبت عليها مختلف التطورات، وأفرزت الدروس والعبر التي تصح في كل مكان وزمان.

إن الثورة المسلحة الشاملة ضد الاحتلال التي قادها قائد الثورة السورية سلطان باشا الأطرش عام 1925 هي بجميع المقاييس، أمثولة تحتذى، إذ برهنت على أن الاحتلال أو المساس بالسيادة الوطنية لا يمكن القبول به، أو إيجاد فلسفة تبريرية للتعايش معه. والعلاج الوحيد له هو الثورة والكفاح المسلح.

لقد لعب النضال السياسي دوراً كبيراً في تحقيق الاستقلال، لكن لو لم تشتعل الثورة المسلحة لكان يمكن أن يبقى الوطن محتلاً حتى الآن. إذن فإن المزج بين العملين العسكري والسياسي هو أحد الدروس الأساسية المستقاة من ملحمة الجلاء. لكن كل ذلك ما كان ليعطي ثماره لولا السلاح الماضي الذي تسلح به الثوار، ألا وهو الوحدة الوطنية، إذ لم يخرج عن الإجماع الوطني الثوري أي مكوّن من مكونات المجتمع السوري الاجتماعية والسياسية والدينية. ولم يسعَ أحد من مكونات المجتمع إلى الاستئثار بقيادة هذه الثورة، بل إلى إفلاس الاحتلال وإجباره على الانسحاب.

كما كان للعامل الدولي ومساعدة الدول الصديقة والمناصرة لحرية الشعوب، وكان أهمها الاتحاد السوفيتي السابق، أثر هام في إعلان الاستقلال، لكن حتى هذا العامل ما كان يمكن أن يعطي ثماره لولا أنه كان مستنداً إلى تراص الجبهة الداخلية السورية المجمعة على تحقيق هدف الاستقلال.

لقد مضت السنون، وسار في النهر مياه كثيرة، وها نحن أولاء نستقبل الذكرى السابعة والستين للجلاء ووطننا تثخنه الجراح، يئن من العدوان الذي شنته عليه دول عظمى تتغنى بحقوق الإنسان وبالديمقراطية، ومنها بعض الدول التي جثم احتلالها فوق صدورنا أكثر من ربع قرن، وكأنها تنتقم من العار الذي لحق بها على يد الثورة السورية الكبرى، ودول أخرى، مثل تركيا التي استعمرت واستعبدت شعوبنا العربية نحو أربعة قرون أشاعت خلالها الجهل والتخلف والاستبداد. وانتظمت هاتان الدولتان في حلف غير مقدس تترأسه أقوى دولة إمبريالية ناهبة لثروات الشعوب، وهي الولايات المتحدة الأمريكية إلى جانب بريطانيا وقطر والسعودية والأردن.

إن هذا الحلف الاستعماري القديم – الجديد يسعى بكل إمكاناته للإطاحة بالاستقلال الذي صنعته دماء الثوار السوريين الأشاوس، وإلى تخريب كل ما بنيناه منذ الاستقلال حتى اليوم من بنى تحتية ومعامل ومظاهر حضارية، وإلى كل ما حققناه من مكاسب في التعليم والصحة.

لقد ساءهم دور سورية القومي في دعم نضال الشعب الفلسطيني لانتزاع حقه في تحرير أرضه وإقامة دولته الوطنية المستقلة وعاصمتها القدس، وتصدّي سورية لمخططات الهيمنة الإمبريالية على المنطقة والمساهمة مع الدول الصديقة في إقامة عالم متوازن وعادل. لقد وقع نظام الحكم في بلادنا بأخطاء كثيرة، منها الفساد والانفراد بالسلطة وتجاهل الكثير من المطالب الشعبية المحقة، والترويج لنهج اقتصادي – اجتماعي أضر كثيراً بالاقتصاد الوطني وبمصالح الكادحين. لكن أعمال العنف التي تقوم بها المجموعات المسلحة المدعومة من الخارج الآن، من كل القوى الرجعية الداخلية والعربية والعالمية لم تكن تستهدف تصحيح ماهو سلبي في الدولة، بل تكريس السلبيات والقضاء على كل ما هو إيجابي فيها. أضف إلى ذلك أن أعمال العنف هذه، قد تحولت إلى المناداة بإقامة دولة دينية استبدادية وفق مفاهيم وأفكار يعود عمرها إلى ما قبل 1400 سنة، لا مجال فيها لأي حوار أو مناقشة بما يصدرونه من فتاوى (شرعية) كاذبة. لقد نشأت هذه الفئة الدموية وترعرعت في أحضان الولايات المتحدة، وهي تمارس أعمالها الإرهابية اليوم من خلال الدعم الأمريكي – الأوربي – التركي – الخليجي، الذي لولاه لما تمكنوا من إسالة قطرة دم سورية واحدة، أو بسط سيطرتهم على ذرة من تراب وطننا الغالي سورية.

ولكن شعبنا الذي يستلهم دائماً وإلى الأبد الإرث التاريخي المجيد للثورة السورية الكبرى وللجلاء الذي حققته، سيضع حداً للاعتداء على الأرض السورية وعلى شعب سورية الذي سيمضي قُدُماً في طريق الإصلاحات الديمقراطية والاقتصادية والاجتماعية وإحداث التغيير الديمقراطي بطريقة سلمية، عبر حوار وطني شامل وحلول سياسية تحفظ لسورية وحدتها واستقلالها الذي صنعته أيدي الثوار الحقيقيين.

العدد 1195 - 23/04/2026