الأمريكيون يعودون إلى العراق!

قامت المجموعات المسلحة الخارجة من رحم تنظيم القاعدة الإرهابي والمسماة الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام (داعش) منذ أكثر من شهر بعمل عسكري واسع، وقامت بالسيطرة شبه الكاملة على محافظة نينوى وبضمنها مدينة الموصل ثاني أكبر المدن العراقية.

ومع استمرار العمليات العسكرية ضد الجيش الحكومي في العراق، قامت داعش الشهر الماضي باحتلال مدينة الرمادي وتكريت والمئات من القرى والتجمعات السكنية بشكل سريع، من أجل الوصول إلى بغداد حسب قولهم، وقد أصبحت طلائعهم على بعد 100كم من العاصمة العراقية.

بينما قامت القوات الحكومية مباشرة بفرض سيطرتها على ربع مساحة العراق بشكل مطلق.. يتبادر هنا سؤال: من هي الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام؟

وللإجابة.. فلقد تولت المخابرات السعودية والقطرية تأسيس هذه الجماعات الإرهابية، بمساعدة سياسية وإعلامية الإدارة الأمريكية غير مسبوقة.

وفي تناقض في الموقف الأمريكي، صرح البنتاغون أن نشاط هذه الجماعات تعدى حدود تصورهم في المثلث العراقي، وهذا بحد ذاته يجبرهم على التدخل، إلا أن هناك موقفاً آخر للمسيرين في الخفية أمور العراق، وهم قادة المجمعات الصناعية الأمريكية وقادة السياسة في مجلس الشيوخ، جعلهم مجبرين على أن يصرحوا عن نجاعة سياساتهم في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، مؤكدين دورهم في العدوان على مجموعة من الدول ومشاركتهم الفعالة بذلك.. وهنا يجب أن نعود إلى الوراء لاستذكار وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون، عندما ثمنت، في كتابها (ذكريات)، الديمقراطية وخاصة في الشرق الأوسط ودون تردد في السياسة الأمريكية بهذه الاتجاه، وتدمير جيشها لقدرات العراق وسرقة ثرواته وإقامة المحاكم السرية. وهنا أرادت القول إن محاكمة الرئيس العراقي السابق صدام حسين وإعدامه خطوة ديمقراطية، حسب ادعائها.. وتضيف أنها كانت مسرورة جداً من الأسلوب الهمجي المتخلف الذي استخدم ضد الرئيس الليبي معمر القذافي، منتقدة بذلك حلفاءها الأوربيين.

وأضافت أن انتقال السلطة في مصر للإخوان المسلمين هي خطوة جريئة ونقدرها عالياً.

أما السياسة الأمريكية إبان احتلال قواتهم للعراق فقد دعمت جميع الفصائل العسكرية والمليشيات، وذلك لغاية في نفسها ونفس إدارتها، فقد دعمت جيش المهدي في عامي 2005 و،2006 وكذلك غذّت المجموعات السنية من أجل قتال طائفي مذهبي في العراق، إلا أن هذه القوى وعلى اختلاف أنواعها استفادت من هذا الدعم، وكان همها الأول هو طرد الغزاة من وطنهم، وهكذا ازدادت خسائر الجيش الأمريكي الذي وجد نفسه في نهاية 2011 مضطراً لمغادرة العراق رغم أنفه، واضعاً قيادة جديدة همّها نيل رضا المحتل والوقوف إلى جانبهم في سرقة ثروات العراق، إلى أن انتخبت قيادة عراقية جديدة.. وهكذا فقد عملت حكومة المالكي لإقامة بنى جديدة وطنية في عراق بعد الاحتلال، وأنشئ جيش وطني وقوات أمن جديدة. ووقفت هذه البنى صفاً واحداً ومتحدة ضد الثقافة الدينية والمذهبية، وكذلك ضد قوى التطرف بمختلف أسمائهم.

وقد اعترف البنتاغون بأنه درب أكثر من مليون شخص في فترة وجوده في العراق، وغالبيتهم وقفوا ضد الحكومة المركزية العام الماضي في المناطق السنية، وفي مراكز القوى، وما تؤكده الأحداث أن غالبية هؤلاء هم العمود الفقري لعصابات البغدادي، فقد قاموا بسرقة مستودعات أسلحة حديثة واستخدامها فوراً بدرجة عالية من الكفاءة.. وهذا ما يؤكده المختصون الأمريكان وكل ما قاموا به تحت عنوان (قانون الشريعة).

وفي مناطق الاكتظاظ السكاني نفذت عصابات البغدادي إعدامات بالجملة للأهالي وقدامى العسكريين في الجيش العراقي، ففي تكريت وحدها، بلد الرئيس السابق صدام حسين، أُعدم أكثر من 100 ضابط جميعهم خريجو الأكاديميات العسكرية. بينما الإدارة الأمريكية قامت بمجموعة إجراءات، مثل تخفيض عدد دبلوماسييها، وزيادة الحراسة داخل السفارة وحولها، وأضافت أنه قريباً سينشر جنود مشاة البحرية المارينز، الذين قد يصل عددهم إلى 375 شخصاً مدعومين بإسناد جوي من حاملات الطائرات المرابطة في الخليج العربي، إذا ما قامت الجماعات المسلحة بضرب السفارة أو محاولة احتلالها.. هذا كله بالطبع يضاف في مصلحة الحرب المذهبية التي راح ضحيتها في العام المنصرم 9 آلاف شخص من الطرفين، وقد يسبب بحرب جديدة أهلية تغذيها واشنطن وداعمو الإرهاب والتطرف في الجوار.

أما الكرد فقد اقتلعوا أجزاء من الأراضي التي يعيشون بها في الشمال، وانضموا إلى الإقليم، وهذا ما يشجعهم على المطالبة بالاستقلال الكامل عن الحكومة المركزية في بغداد.. أما شيعة الجنوب، كما الأكراد في الشمال، فهم أغنياء، وذلك لكثرة النفط في مناطقهم، ويأتيهم كذلك دعم من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ويمكنهم وضع حدود مع وسط العراق وإقامة كيان خاص بهم. والذين يدعمون جيش المالكي عسكرياً وتوجد لهم بصمات في جيش المهدي حسب المعلومات الإعلامية والعسكرية الغربية، قدر عددهم بألفين من الحرس الثوري الإيراني.

واشنطن لن تسمح لحكومة المالكي بالقضاء على النصرة وعصابات البغدادي قضاء كاملاً ونهائياً، لأنهم في النهاية هم من صنعهم وهم جماعات متحالفة مع الإدارة الأمريكية والسعودية اللاعب الأساسي في شبه جزيرة العرب، وأياً كان اسم مجموعات أبو بكر البغدادي أو أي اسم جديد قد يؤخذ لهم، فإنها يجب أن تكون تحت إمرة البنتاغون والإدارة الأمريكية مباشرة، لتقوم بخدمة سادتها في أية مهمة ستوكل إليهم في المنطقة.. وفي النهاية من الممكن أن يكون وجودهم الحربي في العراق وفي محيط الخليج العربي تحديداً لحماية أبنائهم في المخابرات المركزية، وكذلك لضمان أمن حراس النفط.

العدد 932 - 21/10/2020