كي لا ننسى: جبران حلال (1911 -1990)

في ثلاثينيات القرن العشرين، وفي ظل الاستعمار الفرنسي، وبغياب قوانين تجيز للعمال الدفاع عن حقوقهم، انخرط جبران حلال في معمعة النضال، يشق هو ورفاقه الواعون الصخر بأظافرهم، لينال العمال حقوقهم.

ولد جبران حلال (أبو سليمان)، ونشأ في عائلة شعبية، وعاش طوال عمره حياة شعبية أيضاً.

انتسب إلى الحزب الشيوعي السوري أواسط الثلاثينيات، وساهم في النضال ضد الاستعمار الفرنسي، ومن أجل سيادة سورية واستقلالها.

تعرض للسجن والتعذيب، وعاش البطالة والحرمان، وشظف العيش، وأزمة السكن، وظل صلباً مبدئياً متمسكاً بمثُله العليا ضد الاستعمار والمستعمرين، ضد الإرهاب والاضطهاد، ومن أجل توفير حياة أفضل لجماهير البلاد والكادحين، مدافعاً عن مطالبهم ضد كبار المستثمرين.

لم يتمكن اليأس منه أبداً، لأنه كان مؤمناً إيماناً راسخاً بعقيدته ومثله العليا التي يتطلب تحقيقها الكفاح والنضال والتضحية.

كل من شاهده أو تحدث معه، ومهما كانت الظروف، كان يجده شديد الثقة بنفسه، شديد الثقة بجدوى نضاله، بمستقبل بلاده، وبمستقبل طبقته العاملة.

تفانى وأعطى شبابه وحياته لخدمة العمال المسحوقين، أينما كانوا، وكان نموذجاً حياً تجسد في صورة الخير والعطاء والاندفاع في معركة الحرية.

إن إحدى ميزات جبران حلال وأبرزها، وسرّ حياته وكفاحه الطويل، هي التفاف العمال حوله، وحب الرفاق والقادة النقابيين له، وأساس ذلك الالتفاف والحب هو ربطه القول بالعمل.. فقد جعل نفسه شمعة تحترق لتنير الطريق أمام عمالنا وأجيالنا.

عاش جبران حلال فقيراً معدماً، لكنه كان غنياً جداً، لأنه ربح ثقة آلاف العمال الذين خبروه وجربوه وعرفوه، فقد كان مناضلاً مكافحاً عنيداً، باسلاً في الدفاع عن حقوقهم، دون امتياز ودون أجر.. كل ذلك كان تجسيداً للمثل العليا التي آمن بها وعمل من أجلها.

كان أبو سليمان من أبرز النقابيين وأقدمهم في الحزب الشيوعي السوري، ولم يكن يبتغي في نضاله الطويل فخراً أو ينتظر حمداً أو شكوراً من أحد، فقد كان يرى أن ذلك واجبه، ومهمة حزبية أو نقابية يجب تنفيذها، لا وظيفة يؤديها.. هذا كله جعله لا قائداً نقابياً فحسب، بل مدرسة علّمت وتعلم الأجيال التضحية ونكران الذات في سبيل المبادئ.

تبوأ جبران حلال مراكز قيادية في نقابة عمال البناء بدمشق، وفي الاتحاد المهني لعمال البناء، وفي الاتحاد النقابي العربي لعمال البناء، واستمر العمال ينتخبونه رغم الإرهاب والتهديد والسجون، ولم تهتز ثقتهم به ولم تتزعزع.. آمن بوحدة العمال العرب، فعمل بحماس في أواسط الخمسينيات لتأسيس الاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب، وشارك في اللجنة التحضيرية السورية لمؤتمره التأسيسي، وعمل دائماً بنكران ذات لتدعيم هذا الاتحاد وتقويته وتعزيز نفوذه.

تحلى دائماً بالبساطة والموضوعية والصلابة والصبر، وهذا ما جعله إنساناً وقائداً محبوباً، خرج من وسط الجماهير وعاش معها، وعمل من أجلها.. لم يبخل ولم يقصر في التضحية من أجلها.

ستبقى ذكرى جبران حلال ونضاله وأخلاقه هادياً كبيراً للعمال والنقابيين والمناضلين في سبيل غد إنساني مشرق.

العدد 932 - 21/10/2020