أطفال في مراكز الإيواء.. يحلمون بشموس ويرسمونها

(بخاف من العتمة.. وبخاف نام لحالي، لأنو بالعتمة بيحكي الحيط وأنا بخاف كتير.. غرفتي بالبيت كانت دافية وما كان فيه عتمة، وبمرة من المرات كان في ضرب كتير وعياط وصريخ، اتخبّيت بحضن أمي، بعدين سمعنا أصوات كتير رصاص وضرب، خفنا، بعدين قالولنا انزلو عالقبو، صرنا نركض بسرعة، وضلينا بالعتمة وقت طويل.. أنا ما بحب العتمة)! يقول عامر ابن السنوات الخمس، وهو يلوذ بحضن والدته.. أسرة عامر اتخذت غرفة في إحدى المدارس مأوى لها منذ أكثر من عام، بعد أن اضطرتهم المعارك الدائرة في الحي الذي كانوا يقطنونه إلى النزوح عنه. يذهب عامر للعب مع أقرانه وتحدثني والدته قائلة: (ابني على طول خايف، هو أساساً عندو مشكلة بالنطق، نحنا خسرنا كل شيء، ما ضل عنا غيرو بالدنيا، عم يجو شباب كتير عم يساعدونا، بس قالولنا أنو بدو مركز مختص، وبهالوضع صعب كتير ناخدو ونجيبو).

ليس عامر وحده من يخاف العتمة.. لين ذات الأربع سنوات  في أحد الأوقات التي يقضيها متطوعو الهلال الأحمر مع الأطفال  بدأت بالرسم، فرسمت عشر شموس.. سألناها: عشر شموس يا لين؟! هناك شمس واحدة! فقالت: (ضلينا أسبوع بالملجأ، كان عتم كتير وما كنا نقدر نطلع لمكان.. لو كان في عشر شموس أكيد كانت وحدة منن ضوّت علينا وماكنا ضلينا بالعتمة، وما كنت خفت هالقد)!

في ظروف الحرب يُعد الأطفال الأكثر تأثراً بما يحدث، وهم الأكثر تعرضاً لتداعياتها، ويرجع علماء التربية وعلم النفس ذلك لعدم اكتمال نضج الأطفال نفسياً واجتماعياً، وبذلك إذا كانت ظروف الكوارث فوق طاقة الكبار، فهي بشكل مضاعف فوق طاقة تحمّل الصغار، فشعور الطفل بالخطر الذي يهدد حياته، والخوف والقلق المتزايد سيؤثر حتماً في سلوكه ومزاجه.

فالأطفال الذين تعرضوا لانتهاكات الحرب بشكل مباشر أو غير مباشر بقصف منازلهم، أو هدمها، أو اعتقال، أو قتل ذويهم، أو بشكل غير مباشر بمشاهدتهم لانتهاكات الحرب لأمنهم واستقرارهم في شاشة التلفاز، غالباً ما يكثر لديهم ميل شديد للعنف، وتغير عام في المزاج وفقدان للشهية، والشعور بعدم الاستقرار، واضطرابات النوم والقلق والكآبة والحزن والخوف ومشكلة التبول اللاإرادي، ويشكو بعضهم من الاعتلال الجسمي الشديد، وهم بأمسّ الحاجة لمن يتعامل معهم، على أن يراعي تلك الخصوصية لأطفال الحروب.

يقول الباحث حسام شحاتة في دراسته (الانتهاكات الإسرائيلية القمعية للمناطق الفلسطينية وتأثيراتها النفسية والاجتماعية على الطفل) في عام 2003: (من خلال تحليل نحو مئة لوحة من رسومات الأطفال خلال أحداث انتفاضة الأقصى، تبين أن معظم الأطفال يحملون معتقدات ذات قداسة حول الشهداء والحجر كرمز أساسي للنضال الشعبي، كما أنهم أظهروا ميلاً شديداً نحو التعبير عن العنف والانتقام، وبدا من خلال تحليل رسوماتهم أن هناك تشويهاً في المفاهيم العامة لديهم، وخاصة تلك المتعلقة بالسلام العالمي).

نقص مزمن…والمسؤول؟

يعاني معظم أطفال الأسر المهجرة التي تسكن في مراكز الإيواء في دمشق والأماكن الآمنة من نقص واضح في مادة حليب الأطفال، وفوط الأطفال، وتشتكي الكثير من الأمهات (سراً) قلة حليب وفوط الأطفال، مؤكدين أنهم يقومون بتوزيع علبة حليب صغيرة كل عشرين يوماً، علماً أن الطفل يحتاج إلى علبة حليب كل أسبوع، إضافة إلى فوط الأطفال التي تكاد تكون قليلة، وفي أحيان أخرى لا توجد كل المقاسات التي تناسب المراحل العمرية للأطفال الصغار.. إذ أكدت غالبية الأسر التي تسكن في أحد المراكز الكائنة في مشروع دمّر بدمشق، خلال زيارتنا المكان للاطلاع على واقع الأسر المهجرة من المناطق السورية بسبب الحرب، أن ظروفاً إنسانية صعبة يعيشها هؤلاء النازحون من بلداتهم في تلك المراكز، إلا أنها وبالرغم من سوء حالها تبقى أفضل من البقاء في الشارع أو الحدائق العامة، خصوصاً أن حلول فصل الشتاء زاد معاناتهم أضعافاً.

في الوقت ذاته أكد لنا أحد المتطوعين أن مراكز إيواء النازحين في مشروع دمّر تقوم بتقديم الدعم النفسي للأسر المهجرة، للتخفيف من معاناتهم التي ألمّت بهم بسبب العنف الذي تعرضوا له. وأضاف أن من أهم أهداف الأمانة السورية للتنمية والهلال الأحمر العربي السوري متابعة شؤون الأسر المهجّرة من عموم المناطق السورية، في مراكز الإيواء والاهتمام بهم، وتأمين ما يحتاجونه من مواد إغاثية وإنسانية.

مشيراً إلى أن المركز يستقبل كل أسبوع طبيباً يقوم بمعالجة المرضى، ويصف لهم العلاجات المناسبة، وتُصرف الأدوية المقدمة من الهلال الأحمر السوري والأمانة السورية للتنمية. مشيراً إلى أن الأمانة السورية للتنمية، وهي منظمة غير حكومية، هي المشرفة على تلك المراكز.

السيدة أم أيمن، المهجّرة من حلب، تقول: إن الأوضاع في المركز على مساوئها أفضل من البقاء تحت القصف والاشتباكات، مشيرة إلى أن أطفالها يعانون حالياً أزمات نفسية كبيرة، نتيجة العنف الذي شاهدوه على الأرض أثناء وجودهم في حلب.

غرف مشتركة

وفي جولتنا في مركز آخر الذي كان بناء لإحدى المدارس سابقاً نجد كل صف من صفوفها أصبح غرفة أو بيتاً -إن صح التعبير- لإحدى العائلات، وفي بعض الغرف قد يصل عدد القاطنين إلى 18 شخصاً من عائلة واحدة أو من عائلتين مختلفتين يفصل بينهما جدار من ورق مقوى قد يحجب الرؤية لكنه لا يعزل الصوت. كل غرفة هي حكاية، بل إن كل شخص حكاية، حكاية حياة كانت عادية، لكن الحرب والدمار جعلها حكاية نزوح، لكن الوقت والمعاناة والظروف الاستثنائية خلقوا الانسجام والتشاركية، فهم يقتسمون الطعام على قلته والبرد والألم والفرح أحياناً.

تقول أم أحمد، السيدة الأربعينية وهي إحدى النازحات من محافظة حمص: وجدنا في البداية صعوبة في التأقلم مع نمط الحياة هنا، لكن مع الوقت أصبحنا نشعر وكأننا عائلة واحدة (تعودنا على بعض، وعمّ نتقاسم كل شيء، بس هادا ما بيمنع إني كتير مشتاقة لحارتي ولبيتي، عم أدعي لله كل يوم أنو يفرجها علينا وعلى هالبلد، ونرجع على بيوتنا، ولله ما في متل البيت بالدنيا).

معونات تتبخر؟!

في منطقة شهبا  محافظة السويداء قدمت بعض العائلات بيوتها لمن التجؤوا إليهم وقدموا لهم ما تيسر من معونات، ويقوم شباب متطوعون من الهلال الأحمر بتقديم الدعم للأطفال، وحين يأتي هؤلاء المتطوعون يفرح الأطفال بقدوم وقت اللعب والمتعة.. لكن في أحد مراكز الإيواء في هذه المحافظة يشتكي النازحون من النقص في المعونات، بل ومن السرقات أحياناً: (بيقولولنا تعالو ساعدونا بتنزيل المعونات، ومنفرح ومنقول إجانا الفرج، وبس تمتلي المستودعات، بيسكرو عليها وما منشوف شي غير سيارات بترجع بتحمّل وبتاخد).. يقولها أبو أمجد بصوت خافت كيلا يسمعه أحد خوفاً من العقاب بعد ذهابنا. وفي المركز ذاته، مُنع متطوعو الهلال الأحمر من الدخول، ويسمح فقط للجنة الإغاثة الفرعية بإدارة شؤون هذا المركز.

معسكر الطلائع في رساس تحول إلى مركز للإيواء، كل خيمة من الخيم تأوي عائلة من العائلات توزع لهم الأغطية، ولا وسيلة أخرى للتدفئة باستثناء بعض السخانات الكهربائية التي يغضون البصر عنها أحياناً، وقد يعاقب صاحبها أحياناً أخرى.

لكن في حديث لصحيفة (الثورة) قال بشار نصار، عضو المكتب التنفيذي في محافظة السويداء، وعضو لجنة الإغاثة، إن لجنة الإغاثة الفرعية وزعت منذ بداية العام الجاري حتى نهاية الشهر التاسع على الوافدين 33270 سلة غذائية، و26119 سلة صحية، و6200 سلة أطفال، و58 ألف فراش، و80 ألف بطانية، و2000 سلة مطبخ، و8400 كيس طحين، إضافة إلى الحقائب المدرسية للطلاب الوافدين. كما تُخصص 3 وجبات غذائية يومياً للوافدين في معسكر الطلائع مع مادة الخبز من الموازنة المستقلة للمحافظة.. الأرقام على الورق توحي بجهود كبيرة، لكن الوقائع على الأرض تجرح!

الهيئات والجمعيات الخيرية في سورية تساهم في تقديم المساعدات الإنسانية والإغاثية لتلك الأسر التي هجرت من بيوتها تحت وابل الرصاص والقذائف من قبل أطراف النزاع في سورية.

وتُقدر تصريحات رسمية عدد الأسر المهجرة التي أصابها الضرر بسبب الأحداث التي تشهدها سورية حتى الآن ب 671 ألف أسرة، أي بما يعادل 25,4 ملايين مواطن هجر من مسكنه إلى مسكن آخر في المحافظة نفسها، أو إلى محافظات أخرى، في حين أن هناك 572 ألفاً من هذه الأسر بقيت ضمن المحافظة الواحدة حيث تم احتواؤها من ذويها وأصدقائها، وفق التصريحات نفسها، يضاف إليهم أكثر من مليوني لاجئ في الدول المجاورة.

حين ترى بأم عينك أوضاع هؤلاء الذين لا ناقة ولا جمل لهم في هذه الحرب، وتسمع منهم، ليس كمن يسمع عنهم في الأخبار أو تقارير المنظمات الإنسانية، الدمعة تسبقك إلى كل حالة تراها، حيث جراح السوريين الأليمة، التي يريد البعض استمرارها في النزف حتى آخر قطرة حياة.

العدد 1195 - 23/04/2026