صافي الحاج سعيد.. إبداع شبابي تشكيلي
الفن.. إنه الكأس الذي نسكب فيه ما تعتق في دنان الروح لنتساقى فنجبّ مهاوي الظمأ..
يمتلك الجيل المتقدم في السن وسائل الإعلام والتعبير ومعظم المنابر، ويصل إلينا بطرقٍ شتى ما يدور في بالهِ إزاء ما نعايشهُ من حدث وتأويلاته ورؤاه وفق مرجعياته الثقافية والإيديولوجية. بينما يثير فضولي الجيل الصاعد ممن يمتلك موهبة ً ابداعية تتيح لنا الولوج إلى شواغله الوجدانية ورؤية كيف يتلقى الواقع الصادم وكيف يُعبر عنهُ، وهو الجيل الذي لم يساهم في إنتاج هذا الواقع وذاق مرارة ثمار من زرع من الأجيال السابقة.. فمن مناحي الأزمة الرئيسية (الوعي).. ولعل المبدعين والفنانين الناشئين ذوي الفئات العمرية الصغيرة نسبياً يُعبرون بشفافية وحساسية ووفق انطباعات أولية كونهم لم يخضعوا بعد لمنظومات إيديولوجية وتوجهات فكرية وأكاديمية، وربما لم تكتمل شخصيتهم الاجتماعية بعد.
ورغم أن البحيرة الصغيرة قد لا تعكس الصورة كما تفعل شاشات البلازما أو المرايا الفاخرة لكنها بشكلٍ أو بآخر مرآة لها وجودها وحيزها. ولعل عدسة الجيل الصاعد فيها نقاء الفطرة وأبواب تنفتح غير مواربة على منعكس الحدث في سيكولوجيتهم. فما هو الذي يراه الناشئة في ازدحام الصور والمشاهد والحدث وهم لا يملكون مفاتيح تأويله وتفسيره أو حتى فهمه بأبعادهِ ومنعكساتهِ. وقد اخترتُ الرسام الشاب صافي الحاج سعيد الذي شارك مرتين على التوالي في معرض مدينة (كمبتن) الألمانية السنوي رغم أنهُ لم يتجاوز عامه الثاني والعشرين.
نلاحظ في أعمال صافي الحاج سعيد، كثرة الرسومات التي تضمُّ وجوهاً تحمل ملامح تدل على مشاعر مُختلطة حيث تتمازج الصدمة مع الانكسار والبؤس والتعب، ونرى فيها مرآة لحالة درامية أو مأساوية في معظم الأحيان.. ولعل الوجوه هي مفاتيح لخيال المتلقي الذي ينطلق في تأملاته محاولاً تخيّل ما يراه صاحب الوجه المرسوم مستحضراً عدة مشاهد وأحداث وتأويلات في مخيلتهِ مستقرئاً الملامح باستمرار بحثاً عن مُحددات للحدث تتمثل بدرجة درامية أو ملحمية حكاية صاحب الوجه.
ففي اللوحة رقم 1 نرى وجهاً لشدّة ما عجنتهُ قبضة المأساة لا يتضح لنا بشكل قطعي هل هو وجه لصبيّ أم فتاة وما هي الفئة العمرية التي ينتمي إليها بالتحديد. إنهُ طيٌّ للفوارق العمرية والإدراكية وحتى العاطفية، فلو كانت أنثى وجب معرفة ذلك على الفور كون المساحة الشعورية لدى الإناث أكثر اتساعاً.. وهذا الطي بفعل ثقل الفاجعة التي جعلت من عوامل الاختلاف هائلة الأبعاد في التشكيل السيكولوجي، محض قيمة مهملة وفي هذا كناية بليغة عن هول المأساة.
أما في اللوحة رقم 2 فنرى فتاة تعانق عشيقها، لكن لها ذراعي ذئب وكأنها ذئب يقبض على فريسة وهنا جمع الفنان صافي بين متناقضين: الأنوثة والوحشية.. وهنا الوحشية تجاه المنحى المعنوي من كينونة الآخر.. وقد اكتفت الفتاة بأن تقاطع ذراعيها خلف ظهر الشاب فلم يتماشَ ذلك مع بقية تفاصيل العناق الذي بدا حميمياً لدرجة يكاد يوحد الجسدين في جسد.. وهذا يتماشى مع طبيعة أطراف الذئب ويساهم في تأدية فكرة اللوحة.
ولعل من يتتبع الفن التشكيلي يسمع باستمرار بأسماء فنانين شباب يمتلكون مقدراتٍ تعبيرية وحرفية عالية جعلت الريشة أو الإزميل كشعاع الشمس يبثُّ الحياة ويستنبتُ الحكايات من المساحات البيضاء والكتل الحجرية، ومن هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر: هبة إبراهيم، هشام الماليح، هناء العقلة.. ولست أرغب بقول المزيد كي أترك مساحة إضافية للوحات الفنان الشاب متمنياً له المزيد من الارتقاء والإبداع.