وسيلة تعبير من نوعٍ آخر..!

قال صمويل كولت (الأمريكي الجنسية ومخترع المسدس عام1939) عندما اخترع المسدس: (الآن يتساوى القوي والجبان)

كان باعتقاده ربما أن الجبان سيفقه متى يستعمل السلاح في الوقت المناسب، أو أنه ظن القوي سيستخدمه أداة دفاع عن النفس!…لكنّ استخدام السلاح في يومنا هذا بات عادة طبيعية أدمن عليها كثيرون!….ولم يعد الهدف الرئيس من حمل السلاح كالصيد والدفاع عن النفس هو السبب لحمله، بل بات حمل السلاح اليوم (موضة) غير مبررة!

وجاءت الأزمة لتشدد عزيمتهم، فلم يكد زمام الأمور ينحلّ حتى أصبح التسيّب يجول أرجاء المكان وتآخى السلاح وحمل الهوية لكثيرين!…وتوارى القانون في البلد، والثأر أصبح ملك الأيادي، ولكلٍّ حق في الثأر لنفسه بنفسه دون احترام للنظام العام السائد.

صار صوت الرصاص نغماً يستيقظ على صوته الناس وينامون أجمع، ليُصبح آلة تعبير بامتياز ويحتشد إثرها حاملو السلاح مجتمعين في كل مناسبة، فلكل شعب عادات يستخدمها في الأفراح والمسرات والأحزان، وفي التأبين لكنني لم أرَ شعباً يعتمد لغة السلاح للتعبير عن عاداته كما نراه عند شعوبنا العربية التي اعتادت أن تطلق العيارات النارية في كل مناسبة حتى لو كانت خاصة أو عامة.

ولعل الأمر لا يقف عند هذا الحال فأقسام الطوارئ في المستشفيات تستقبل يومياً الكثير من حالات الإصابات بالأعيرة النارية، ولعل الأسباب التي نعرفها قد تكون واهية إذا ما تعمقنا في هذه الإشكالية وتبعاتها الخطرة التي تطغى حتى على الصغار الذين يلعبون بالبنادق والمسدسات التي هي شبيهة بالأسلحة الحقيقية، وهذا كله بتأثير هذه العادات والتقاليد المتخلفة.. فقد أصبح إطلاق العيارات النارية من أبرز علامات التعبير في المناسبات بما فيها الأفراح، فتصبح المنطقة عبارة عن جبهة عسكرية!

لعل هذا الاحتفال قد أصاب الكثير من الناس المصابة بالحيرة في المنطقة، وهذه عادة همجية يقوم بها الجهلة الذين لا يعرفون كيف يعبرون عن فرحتهم، وهم ينتظرون مثل هذه المناسبات حتى يظهروا قوتهم بأنواع الأسلحة التي بحوزتهم، وهذا الأمر مرفوض لأنه يكرس حالة العنف في المجتمع ويجعل من المناسبة فوضى لا يمكن السكوت عنها، وبما أنه عرس فلماذا هذا السلاح؟

وكيف يفسر البعض هذه الحالة الغريبة بأن يجعل من العرس ساحة لإطلاق الرصاص!؟.

أما الأتراح فقد يشهد تشييع جثمان الشهيد آلاف الرصاصات الطائشة للتعبير ربما عن الفخر أو الفرح أو الحزن أو أيّاً يكن الشعور، ويتسلل الذعر بسببها إلى قلوب الناس وكأنّ الحرب لتوّها بدأت!…وتنزف تلك الأسلحة حينئذٍ مثل ما تنزفه على جبهة القتال. أليس هذا هدراً للذخائر التي نحن بحاجتها اليوم أكثر من أي زمن آخر؟

أليس باستطاعة ما قد ضاع سدىً منها أن يقضي على الإرهاب الذي قامت القيامة إثر سقوط حكومة داعمه؟!

فقد شهدت سورية وتحديداً دمشق عرساً حماسياً زينه الرصاص وضجّت فيه بيوت سورية كلها.. ارتجفت إثره القلوب وسيطر الذعر على كلّ من يملك السمع وزخّت السماء مطراً ملوّناً من نوع آخر!…فاضت تلك الأسلحة بـ(خيراتها) لتصرع البشر وترعبهم وكأنّ احتلالاً قد قدم!

أيّ احتفالٍ هذا؟؟ مادام الهدف منه سقوط الحكومة التركية كونها داعمة للإرهاب في سورية. أيُعتبر هذا الفعل الهمجيّ والفوضويّ الذي قامت به شرائح من الشعب والعساكر دون خضوع للرقابة عملاً غير إرهابي؟؟

ألا يكفي الناس ما حصل لهم خلال الأزمة السورية بسبب الرصاص من دمار نفسيّ ليلاحقهم ذاك التصرف العشوائي قبل قليل من منتصف الليل ويوقظ الفزع في قلوب النيام واليقظى!

ربما كان بإمكان الجميع أن يبيحوا ذلك لو أنه لم يودِ لفعلٍ ضارّ أو قتل إنسان..لكن بسبب هذا العرس المسلّح تناقلت شبكات التواصل الاجتماعي أنباء عن إصابة أكثر من خمسة أشخاص بالرصاص الطائش في منطقة (المزّة) بدمشق ووفاة واحدٍ منهم!

يا ترى هل يمكننا غضّ النظر عن فعل كهذا واعتباره استثنائياً مباحاً.. لأن هدفه يهمّ الشعب السوري؟؟

هل أصبح أحد أشكال العنف والفوضى اليوم وسيلة تعبير عن المشاعر إثر غياب الرقابة؟؟

هل وصلنا إلى زمن أصبح فيه الرصاص..وسيلة تعبير(معاصرة)!؟.

أسئلة معلّقة على أمل تحرّك الجهات المعنية بالأمر للجواب عنها بشكل فعلي وعملي بآنٍ معاً.

العدد 1195 - 23/04/2026