موازين الأخلاق وضوابطها غائبة

حيث لا تسود الأخلاق أولاً، ثمَّ القانون والضبط والردع ثانياً، ستسود الفوضى وعدم المسؤولية، والتصرفات الفردية العشوائية بين الناس، ويتصرف كل شخص على هواه، وكل مجموعة كما تريد، دون حسبان لما يضايق الآخرين، ودون حسبان لما يمكن أن يؤذيهم، أو يصل إلى حدّ التعدي على راحتهم النفسية أو الجسدية أو المادية، ويصبح المجتمع بالكامل في جوٍّ من القلق والتوتر، لعدم وجود الضوابط الأخلاقية والقانونية بين الناس.

من أبشع الظواهر السلبية والسيئة جداً، التي تسود بين الناس، هي ظاهرة إطلاق النار في الهواء، إن كان ابتهاجاً واحتفالاً بحدث ما، أو الإعلام عن الوفاة وإطلاق النار في التشييع. وهذا ما كان القانون سابقاً يجرّمه.

لكن، من نتائج الفوضى التي عمّت المجتمع نتيجة انتشار السلاح، أن إطلاق النار وبشكل غزير، يحدث في كل المناسبات، وبكل أنواع الأسلحة، دون أي اعتبار للمشاعر العامة وللتوتر النفسي، ولخوف الجميع وخاصة الأطفال، ودون أخذ العبرة من الحوادث التي أدت إلى مقتل العديد من الناس، أو إصابتهم إصابات خطرة، وقد استفحلت المشكلة، حتى صار إطلاق الرصاص يجري في كل الحالات كما في حالة إعلان نتائج الامتحانات العامة، والأعراس، وفي المناسبات المحزنة أو المفرحة، وحتى بعد انتهاء المباريات الرياضية، أو بعد انتهاء خطاب لمسؤول مهم في وسائل الإعلام، أو حتى إعلاناً وابتهاجاً لخبر خارجي لا يهمُّ أحداً.

هذه الظاهرة السيئة، هي من أبشع ظواهر الانحطاط الثقافي والحضاري الذي وصل إليه بعض أفراد المجتمع، نتيجة الفوضى وعدم أهلية المسؤولين للقيام بواجباتهم الوظيفية، كما يجب أن يكون.

ولا يمكن تعليل هذه الظاهرة أو تبريرها بحالة الحرب القائمة الآن، أو بوجود الأزمة الأمنية المؤقتة، لأنها ظاهرة موجودة سابقاً، إنما الحرب تسببت في نموّها وتغلغلها في حياتنا اليومية بشكل سرطاني، لانتشار قطع السلاح من كل الأنواع، بين يدي منْ ليس أهلاً لحمل السلاح.

هذا الانحطاط الأخلاقي والثقافي، نراه قد غزا كل منتجات المجتمع، حتى في الفن والموسيقا والأدب، والمواصلات والتموين والاقتصاد والمرافق الخدمية، والأمن العام، وبالنتيجة صار الانحطاط يشمل كل البنى الفوقية والتحتية، وتولّدت في المجتمع عادات مكتسبة لا أخلاقية، وأكرر القول بإرجاع السبب لعدم إدارة المسؤولين للأزمة بالشكل الصحيح.

في حالة الحرب، كما في غير حالة الحرب، وفي كل القوانين والأعراف، من المفروض أن يبقى السلاح مُخزّناً في الثكنات والمستودعات، ويوزّع على الأفراد بشكل جماعي قُبيل المهمات الرسمية المراقبة والمضبوطة جيداً، ثم يُعاد إلى مستودعاته بعد انتهاء المهمة، ولا يُترك بين أيدي الأفراد في البيوت والشوارع، إنما على ما يبدو واستسهالاً للموضوع، يُغفل المسؤولون عن تصرف كهذا أصولي ضروري ومهم بالتأكيد، ومن الواجب الوظيفي الاهتمام به وتنفيذه على أكمل وجه.

مع استفحال هذه الظاهرة، وغيرها من الظواهر السلبية، يقف المراقب مندهشاً، متسائلاً أين قوانين الضبط والإشراف؟ وأين المسؤولون؟ وأين نظام الأمن العام للمجتمع؟ وأين الهيئات والمؤسسات؟ وأين المنظمات الشعبية والحزبية والأهلية، التي من المفروض أن تكون مهمتها الأساسية قمع هذه الظواهر، وعدم السماح بحدوثها، وعدم التساهل مع التصرفات الخاطئة، التي تُسيء إلى النظام العام، وإلى أمن الدولة بالكامل؟!

إن الخيبة والفشل في إدارة الأزمات استفحلت جداً، وفقد المواطن الثقة في حكومته، التي تُهمل وتُغيّب أغلب النظم والقوانين، ولا تتعامل مع مهامها الوظيفية في تنفيذ القانون والضبط العام للكثير من الحالات الشاذة، والأنكى من ذلك بل، والمُثير للجدل أن المسؤولين ينفذون القانون بحذافيره على القضايا الصغيرة التي لا تُسيء لأحد، ولا تضر أحداً، والأمثلة كثيرة على ذلك، بينما يُهملون القضايا التي تضر بالمجتمع والدولة، إن لم تُتابَع جيداً.

العدد 1195 - 23/04/2026