لِيَزُرْنا الفرح… بلا ثمن!

علت الأهازيج من بيت جيراننا… وعمّت الفرحة، فابنتهم طالبة البكالوريا قد نجحت وبتفوق… محصّلةً المجموع الكامل. تجمعنا كلنا عندهم في البيت وأمامه وفي الشارع، نشاركهم الفرحة… فالفتاة محبوبة من جميع أهل الحارة، والكل فرح لها بهذا النجاح الذي تستحقه… وأخذ الصغار يتهافتون على أنواع الحلويات المختلفة التي بدأت تفد من المهنئين قبل أهل الناجحة…

جاء أصدقاء أخيها ليشاركوه فرحته بنجاح أخته… وكانوا شبّاناً لم يتجاوز أكبرهم العشرين عاماً… ولم يكونوا أصدقاءه فقط، بل كانوا رفاقه في لجان الدفاع الوطني المسؤولة عن حفظ الأمن والأمان في الحي بأكمله… درءاً لحدوث أي أمر من شأنه أن يقضّ مضاجعنا في ظل هذه الحرب اللعينة التي نحياها..

وما كان منهم إلاّ أن رفعوا بنادقهم ورشاشاتهم، وصوبوها نحو السماء وتركوا لها العنان لتشاركنا طلقاتها الفرحة الكبرى، غير مدركين أو منتبهين لأولئك الجيران المتابعين من على شرفاتهم… ركضنا جميعنا بعد أن لملمنا أطفالنا، كي لا يُصاب أحد بأذى… وراح الأطفال يصرخون من شدّة الخوف من تلك الأصوات…

وفي غمرة أصوات الزغاريد وإطلاق النيران، تناهى للمسامع أصوات نحيبٍ صادرٍ من أحد تلك المنازل في الطوابق العليا…

هدأت أصوات الفرحة، لكن البكاء والنحيب لم يهدأا!!!

سارع الرجال إلى البيت الذي يصدر منه الصوت، وما هي إلاّ بضع لحظات حتى أدركنا أن ثمن الفرحة كان كبيراً جداً… لا قدرة لأيّ منا على تحمّله… فقد قتلت إحدى الطلقات طفلاً صغيراً لم يرَ النور بعد…. وأطفأ بموته بريق الحياة من أعيننا جميعنا…

اختفى أولئك الشبان على الفور، مع أن أحداً من الموجودين لا يجرؤ على البحث عنهم وتقديمهم للعقاب، لكونهم حرّاس نومنا… وأمننا وأماننا… ويحق لهم ما لا يحق لغيرهم!!!؟؟ وصغيرنا يعلم قبل كبيرنا أن القانون قد جرَّم حمل السلاح بلا مبرر، ولمن هم تحت السن القانوني… لكن الحرب لم تدع للقانون تطبيقاً… وتُجّار الحرب لم يتورعوا عن إغماض عيونهم وصمّ آذانهم عن نحيب أمهاتٍ ثكلى فقدن أبناءهن بلا مبرر غير التباهي برجولةٍ لم تكتمل بعد، لشبانٍ لم يعرفوا من الرجولة غير شكلها الذي يكتمل بحمل السلاح…

أولئك المجرمون الذين لم يكتفوا بما يجنونه من أرباحٍ طائلة من بيع الأسلحة، ولم يرووا تعطشهم للدماء بالموت فقط، بل بوأد من يفترض أنهم رجال المستقبل الذين سيبنون البلاد وعلى عاتقهم تقع مهمة تطويرها وإنقاذها من الجهل والظلام… فهؤلاء الشبان تغذوا على القتل بوقتٍ مبكر جداً من عمرهم، ولم يعد بمقدورهم قبول الآخر، أو رفضه إلاّ من خلال السلاح!!!

ألم يكفِنا حتى الآن ما يُسفك من دماء على جبهات قتال لم تكن لنا به يد؟

ألم تعمَ أبصارنا بعد من السواد الذي اتشحت به كل نسائنا؟

كفانا ضياعاً وتشرذماً… كفانا موتاً… بسبب وبلا سبب!!!

لندع الفرح يزورنا مرّةً دون أن يترك خلفه جراحاً لن تلتئم أبداً…

 

العدد 1195 - 23/04/2026