معركة ميسلون (1920-2014) بداية مرحلة جديدة
إنَّ تاريخاً طويلاً من عمر سورية، رسم خريطته الشعب السوري بدماء الشهداء، لن يتوقف هذا التاريخ عند حدود معركة ميسلون (في 24 تموز 1920)، بل كانت ميسلون بداية مرحلة جديدة من النضال الوطني التحرري ضد المستعمر الفرنسي من أجل الحرية والاستقلال والتطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
والحديث عن معركة ميسلون غرب دمشق، ودور الجيش السوري المتواضع في مقاومة الاستعمار الفرنسي، يعني الحديث عن سورية الكاملة بسهولها وأنهارها وجبالها وحدودها وتنوّعها الديني والإثني والسياسي.
تأتي الذكرى الـ 94 لمعركة ميسلون في مرحلة معقدة من تاريخ سورية المعاصر. تأتي والشعب السوري والجيش الباسل يقاتل الغزاة الإرهابيين والتحالف الأمريكي الرجعي النفطي، والظلاميون يحملون جوازات سفرهم من ثلاث وثمانين دولة، ويرفعون راياتهم السود وسواطيرهم لتنفيذ المشروع الإمبريالي – الصهيوني، التفتيتي، الطائفي.
لقد أصبح إنذار غورو وشروطه وتهديده وجواب الحكومة واضحاً، من تكرار ما كتب في مناسبات عدة، عن هذه المعركة الوطنية التي وصفها وزير الحربية بـ(المعركة العسكرية الفاشلة)، رغم البطولات التي سطَّرها الشهيد البطل يوسف العظمة و800 شهيد في معركة غير متكافئة استمرت ساعتين، سار الفرنسيون فوق جثثهم ودخلوا دمشق. وهو يعرف جيداً عدم التكافؤ بين القوة الفرنسية العسكرية البالغة 9000 جندي، مزودين بالمدافع والدبابات والطائرات والرشاشات، مقابل 3000 متطوّع سوري. إضافة إلى أسباب أخرى. ومزَّقت قذيفة صدر يوسف العظمة واستشهد يوم الأربعاء في 24 تموز، علماً أن التاريخ قد سجَّل تفاؤلاً لوزير الحربية بأمل الصمود في بداية المعركة، حينما عطَّلت مدفعية الجيش دبابة فرنسية وأسقطت إحدى الطائرات، لكن الذعر دبَّ ببعض المتطوعين على أثر سقوط قذيفة عليهم فراحوا يفرّون بأسلحتهم. وتذرَّع بعض الفرسان بذعر خيولهم الأصيلة وخافوا عليها فولّوا مدبرين أيضاً! عندئذ تراجعت الحملة نحو دمشق، واعترضها في طريق عودتها بعض العربان من الخيالة وسلبوا سلاحها وعتادها. وفي أماكن أخرى سطا البعض على إسطبل الثكنة ونهبوا ما وجدوه من خيول الجيش.
وكان يوسف العظمة اعترض على موقف فيصل بالموافقة على تسريح الجيش، وتنفيذ شروط الجنرال الفرنسي، ففتحَ باب التطوّع. ورداً على ذلك، ولتغطية فيصل موقفه السلبي ذهب إلى الجامع الأموي وخطب في الناس حاثاً على الجهاد وقال: (هيّا إنني ذاهب أمامكم، فإن قضيت نحبي يمكنكم أن تجدوا من يقوم مقامي. أما الوطن فإنه إذا دخل تحت نير الاستيلاء فلا تستطيعون إنقاذه ولا بشق النفس).
لقد سجَّلت معركة ميسلون الكثير من شهادات البطولة والتضحية من الجيش ومن المتطوعين. ومثالاً على ذلك، سقط الشيخان عبد القادر كيوان وكمال الخطيب فوقعا أسيرين في أيدي الفرنسيين، الذين أكرهوهما على حفر قبريهما بأيديهما وأنزلوهما فيهما وهما حيَّان، ثمَّ أطلقوا عليهما النار..!
وعندما دخل الفرنسيون دمشق استقالت وزارة هاشم الأتاسي، وانتهى بذلك عهد الحكومة العربية الفيصلية في سورية، وبدأ عهد الاحتلال والانتداب الفرنسي. وبدأت في سورية مرحلة المقاومة ضد المحتل والمستعمر الجديد.
وتعد هذه المرحلة من أهم وأخطر المراحل التي مرَّت بها دمشق تحديداً وسورية بشكل عام، إذ شهدت العديد من الأحداث السياسية والعسكرية والاجتماعية. غادر الملك فيصل دمشق يوم 28 تموز بعد دخول القوات الفرنسية. أما قبل يوم من مغادرته (أي في 27 تموز)، فأعلن الجنرال غورو، الأحكام العرفية، وفرض غرامة على الشعب السوري تقدر بعشرة ملايين فرنك فرنسي، ونزع سلاح الجيش السوري، وطلب تقديم عشرة آلاف بندقية للجيش الفرنسي، وتسليم كبار المدنيين والعسكريين السوريين للمثول أمام المحاكم العرفية، وإنهاء الحكم الفيصلي، وتنفيذ حكم الإعدام بالعديد من الوطنيين ونفي العديد منهم.
ولم تهدأ سورية بعد ذلك، فانتفض الشعب السوري، وقامت الثورة السورية الكبرى بقيادة سلطان باشا الأطرش، وهبَّ الشعب السوري في أنحاء سورية. وخاض المعارك ضد الاستعمار الفرنسي. وظل يناضل ويقدم التضحيات حتى نال الاستقلال عام 1946. وما تزال دماء الشهداء من عسكريين ومدنيين تروي تراب الوطن.