دعارة الحرب… الرجال قوامون هنا أيضاً!

كان البغاء مسموحاً وعلانية قبل الإسلام، أمّا بعد الإسلام فرغم أن الدين الجديد حرّم الزنى تحريماً تاماً، وفرض أشدّ العقوبات على الزاني والزانية، لكن التعامل مع ظاهرة البغاء بقي فضفاضاً ودون حسم حسب الآية القرآنية:(وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (سورة النور ـ 33)

في سورية بقيت الدعارة علنية ومسموحة طوال فترة الانتداب الفرنسي وحتى أوائل الخمسينيات، وكان لكل مدينة ماخورها العلني المرخّص، أو الحي الذي تقيم فيه النساء اللاتي يعملن في الدعارة العلنية، ثم مُنعت لاحقاً لكنها بقيت مستمرة بشكل شبه سري.

الآن إذ يضرب زلزال الحرب المجتمع السوري في عمقه، فيخلخل البنى الاجتماعية، وتتقطع السبل بالعائلات، خاصة العائلات التي أصبحت بلا معيل (رجل) لأسباب شتى، كموته في الحرب أو هروبه خارج البلد أو اعتقاله أو خطفه واختفائه…الخ، ونشأت بيئة خصبة لتنامي الظاهرة الموجودة أصلاً، وهي تبدأ عادة بدافع الفاقة والحاجة، ثم تتطور إلى وسيلة لجني المال.

مريم امرأة تشردت مع أطفالها الثلاثة وأبيها وأمها، فيما اختفى زوجها منذ بداية الأحداث، سكنت حيّاً بائساً في أطراف مدينة دمشق بأجرة عالية تتجاوز راتب والدها التقاعدي. بحثت طويلاً عن عمل يقيها ذلّ السؤال أو العذاب أو الألم من بيع جسدها، لكن كل من صادفته في بحثها كان يبحث عن أسرع طريقة لافتراسها، وهي شابّة تحتفظ بقدر من الجمال رغم المآسي التي شهدتها إبان حصار مدينتها، ثم الحرب ثم الهروب المليء بالمخاطر.

قاومت كثيراً نزوات الرجال الذين كانوا يبدؤون بعرض المساعدة، ثم سرعان ما يكشفون نواياهم في التمتع بجسدها مقابل تشغيلها أو مساعدتها مادياً. توصلت أخيراً إلى قناعة بأنه ليس أمامها سوى الدخول في علاقة مع رجل واحد مقابل أن يساعدها في تأمين احتياجات أسرتها، وكان طلبها موجوداً طبعاً في صاحب سوبر ماركت في الحي، لكنه لم يستمر في علاقته معها سوى لأشهر قليلة حتى بدأ يطلب منها إمتاع أصدقائه أيضاً، وكانت هذه بداية طريقها في امتهان الدعارة.

مريم ليست امرأة افتراضية، إنها اختصار لحالة آلاف النساء السوريات اللاتي دفع بهنّ الفقر والعوز إلى ميادين الدعارة، وأصبحت ظاهرة مقلقة كما هي كل الظواهر المرافقة للحرب، فمريم ستجرّ بعد فترة ابنتها أو زوجة أخيها أو أختها، وتتمدد الحالة الشّاذّة داخل العائلة والمجتمع.

السؤال الذي يردنا هنا: أليس الرجال الذين يستغلون حاجتها لتحقيق نزواتهم هم عاهرون أولاً وتالياً، فيما هي ضحية أولاً على الأقل؟

ثم، أليس الرجال الذين يقيمون علاقات مع نساء عاهرات هم أيضاً عاهرون؟

أم أن الأمر متعلق بمن يدفع، بالبائع والشاري؟

المأساة السورية التي امتدت ظلالها إلى كل ميادين الحياة، وحفرت أثلاماً عميقة في جسد المجتمع سيطول ترميمها، تُرخي بثقلها الأكبر على النساء، لذلك لا بدّ من أن نمتلك الجرأة لنعيد القول إن هؤلاء النساء ضحايا والجناة كثيرون، بدءاً ممن أشعل الحرب وأجّجها ويؤجّجها، ولا تنتهي بالنموذج المعمم من الرجال الذين ينحدرون إلى درك أدنى من الحيوانات التي لا تعرف ممارسة الجنس إلا كحاجة غريزية طبيعية، فيما هؤلاء يُمعنون في اللهاث خلف علاقات نفعية وشاذّة، ويمارسون أفظع أنواع التعذيب الجسدي والروحي بحق النساء المقهورات، اللاتي سرعان ما تتلقفن أمراض الوسط الموبوء، وتصبحن جزءاً من حالة عصية على العلاج إلى زمن طويل.

حتى لا نبقى في مساحة البكاء والعويل، لا بدّ من الإشارة إلى حلٍّ إسعافي ممكن في ظروف الحرب والتهجير، وهو أن تقوم وزارة الشؤون الاجتماعية والجمعيات الأهلية المختصة بتقديم المساعدة لهؤلاء النساء لإنقاذ ما يمكن إنقاذه أولاً وبشكل عاجل، فهؤلاء هنّ أمهات جيل قادم، ثمّ بتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة للعائلات النازحة والتي لا معيل لها، لحماية النساء اللاتي لم يتعودن على تحمّل تكاليف العائلة والبيت من السقوط في حبائل الباحثين عن لذّة وهمية على حساب تدميرهن روحياً وجسدياً.

العدد 1195 - 23/04/2026