اعترفوا بها أولاً…. الدعارة داء كارثيّ!

 اعتُبرت الدعارة من أقدم المهن في التاريخ البشري، ولعدم قدرة أيّ دولة على منعها أو الحدّ منها، فقد جرى التعامل معها بطرق مختلفة، كوضع بعض الدول قوانين ناظمة لها لإبقائها تحت السيطرة ومنع تفشي الأمراض سواء الجسدية أو النفسية أو المجتمعية في مجتمعات تلك الدول…

في مجتمعنا لم يكن التعامل مع هذه الظاهرة على أساس منطقي أو مقونن، بل ما زلنا نختبئ خلف إصبعنا، غير معترفين بها، مع العلم أنها موجودة بشكل مرعب لاسيما في السنوات الأخيرة، سنوات الحرب اللعينة، إذ إنها لم تعد ظاهرة فقط، باتت واقعاً مُعاشاً نراه ونلمس آثاره على مجتمعنا، ففي ظل غياب الرجل إن كان زوجاً أو أباً أو أخاً أو ابناً، بات على المرأة تحمّل مسؤوليات العائلة، وبعض النساء لا قدرة لهن، أو ربما لا رغبة لديهن لتحمّل شظف العيش أو صعوبات العمل- هذا إن وجد- فوجدت في ممارسة الدعارة طريقاً سهلاً للكسب السريع، حتى صار مشهد الفتيات والنساء الواقفات على نواصي الشوارع أمراً اعتيادياً، لا بل إنهن يدللن على أنفسهن لكسب الزبائن المطلوبين، ولم يعد هذا المشهد مقتصراً على فترة الليل كما كنا نراها في الأفلام السينمائية، بل بات على مدار اليوم، صيفاً وشتاءً!!!

وليس غياب الرجل فقط هو السبب في اتجاه بعض النساء أو الفتيات لهذا السلوك، بل إن بعضهن حينما تحدّثن عن سيرة حياتهن في هذا العمل، أكدن أن وجود الرجل بحياتهن كان دافعاً أو مساهماً أساسياً، منهم ذاك الزوج الذي يُحضر الزبائن لزوجته أو يوصلها هو بيده إليهم، أو ذاك الأب الذي لا همّ له سوى الإمساك بالنقود في آخر النهار، والأكثر غرابةً أن بعض الأمهات ساهمن بذلك، ففي إحدى القصص الحية، قامت الأم بتوزيع بناتها السبع على عدة أحياء في مدينة دمشق ليعملن بهذا المجال!!!!!

هذا ما يحدث في مجتمعنا الذي لا يزال حتى اليوم يرفض الاعتراف بوجود الدعارة، ويرفض اعتبارها مهنةً عليه أن ينظمها، ولا أقصد هنا أن يشرعنها، إلاّ أن تنظيمها قد يحدّ من الآثار التي تخلّفها مهن كارثية كهذه، إمّا على المستوى الفردي لمن تقوم بها، أو على المستوى الأسري لأفراد عائلتها، وبالتالي على المستوى المجتمعي ككل…فلنتخيل الحالة النفسية لطفلٍ تقوم أمه أو أخته بهذا العمل المُشين أخلاقياً حينما يشار إليه بالبنان من قبل أقرانه وأبناء حيّه، وليس هذا فقط، بل حينما يعيش هذه الحالة يومياً إن كان في مجال العمل أو في بيته!!!!

حتماً لن يكون هذا الطفل سوياً من الناحية النفسية، ورفضه الباطن والفطري لتلك الأنثى التي تخصه، وما سينجم عن ذلك من سوء معاملة لها أو تحقيرها وإهانتها على الدوام، فيكبر وبداخله عدم ثقة بالأنثى بأي صورة يتعرّف بها عليها، ولا من الناحية الجسدية حينما يتجسد الشكل الآخر من التعامل وهو تقبّل هذا العمل على أنه شرعي وطبيعي، وبالتالي يقوم هو أيضاً بممارسته في سن مبكرة، وكثيرة هي القصص التي تشهدها مدارسنا في مراحلها المختلفة، وتحديداً والمخيف في مرحلة التعليم الابتدائي، حيث يلاحظ أن قصص تحرّش التلاميذ ببعضهم تتكرر وبكثرة، ولا يتوقف الأمر عند التحرّش بين جنسين مختلفين، بل إن قصص التحرّش بين أبناء أو بنات الجنس الواحد باتت واضحة وجلية تصيبك بالخوف والرعب من مستقبل هذا المجتمع الذي ينشأ أطفاله في هذا الجو القذر…

ثم من فكر بتلك المرأة/ الفتاة؟؟ كيف تنظر إلى نفسها؟؟ وإلى الجنس الآخر؟؟

فقط نفكر بأن ندينها وندمرها، ولم يخطر ببال أحدنا أو ببال حكوماتنا أنه من الواجب الوقوف بجانب تلك الفتيات لإخراجهن من تلك البوتقة وذاك القاع، بأن يتمّ تأمين عمل مناسب لهن يحفظ لهن كرامتهن، وقبل ذلك إنشاء دور تأهيلية لرعايتهن نفسياً وجسدياً، وليس على غرار دار الفتيات الأحداث القابعة في وسط العاصمة والتي منذ ما قبل الحرب الكارثية لم يكن لها صدىً أو مفعول إيجابي، فكثيرون لم يسمعوا بها أو لا يعرفون مكانها أصلاً….

فلنمتلك جرأة الاعتراف أولاً… قبل أن نفكّر كيف يجب علينا أن نتصرف ونجد الحلول، مجتمعاً وحكومات….

العدد 1195 - 23/04/2026