ما هكذا نوفر الأمن الغذائي لبلادنا!

منذ فترة قريبة صدر قرار حكومي برفع سعر مادة المازوت بنسبة 40%، وأنا أشك في أن حكومتنا الموقرة درست الآثار السليبة لهذا القرار على القطاعات الزراعية والصناعية والمجتمعية. ولنناقش مدى تأثير هذا القرار على كل من هذه القطاعات.

 

أولاً- على صعيد الزراعة

لننطلق أولاً من أن الأزمة التي تعيشها بلادنا بكل أشكالها لم تُبقِ في جيوب المزارعين من أموال ما يخدم، ويتمم العملية الزراعية على أكمل وجه.. وإذا أخذنا وحدة المساحة الدونم ومساحته 1000 م2 مزروع قمحاً.. فماذا يحتاج:

*  فلاحتان على الأقل بكلفة 1200 ل.س.

*  سلف مرتان قبل الزراعة وبعدها600  ل.س.

*  تسكيب مرة واحدة 300  ل.س.

*  بذار قمح وسطي 30 كغ بقيمة 1000 ل.س.

*  25 كغ سماد 46% بقيمة 900 ل.س من مؤسسات الدولة، و1300ل.س حر.

*  25كغ سماد آزوت 33% أو 30% بقيمة 700- 900 ل.س حر.

* سقاية مرتان على الأقل بكلفة 650 ل.س للسقاية الواحدة بسعر المازوت النظامي، أو1000 ل.س مازوت حر.

*  مكافحة عشبية 200 ل.س.

*  حصاد 1000 ل.س.

*  نقل 200 ل.س.. لمنتوج الدونم الواحد من أقرب نقطة إلى مستودعات الحبوب.

ويكون مجموع كلفة زراعة الدونم تتراوح بين 7000و8000 ل.س  على الأقل.. فإذا كان وسطي الرخصة الزراعية للمزارع 10 دونمات، أي هكتاراً واحداً، فسيدفع بناءً على هذه الكلفة ما بين 70 – 80 ألف ل.س، وهو لايمتلك منها كفاف عيشه، فماذا سيحدث؟

لقد عرضنا الحالة المثالية لخطة إنتاج وحدة المساحة الدونم من500 إلى 700 كغ، أما الآن وفي ظل غلاء كل ما عرضناه، فماذا سيعمل المزارع؟ سيقوم بفلاحة الأرض مرة واحدة، وسلفها مرة واحدة، ويسقيها مرة واحدة، هذا إذا سقاها، ويعطيها سماداً نصف الكمية اللازمة دون أن يكافحها من الأعشاب.. والنتيجة ستكون انخفاض إنتاج الدونم إلى 200 – 300 كغ، والإنتاج الكلي لسورية سيكون مابين 5,1 و 2 مليون طن/ وحاجتنا كما هو معلوم 3 ملايين طن سنوياً من القمح، فمن أين سنأتي بباقي حاجتنا، ونحن نستنزف الاحتياط حالياً؟ وهنا نذكر المسؤولين بجدلية الأمن الوطني و الأمن الغذائي.

المطلوب: تخفيض سعر مادة السماد، وتوفير سماد آزوت 33%، أو 30%، لضرورة حاجة النبات له، وعودة المازوت إلى سعره القديم، أو أن تخصص الجرارات والمزارعون بحسب رخصهم الزراعية من مادة المازوت بالسعر النظامي القديم، ولا يفيد في ذلك الآن رفع سعر القمح أو التعويض في آخر العام.

ملاحظة: لم توزع المصارف الزراعية سماد نوع 30% على الرغم من حاجتنا إليه ووجوده في مخازنها.

 

ثانياً- في القطاعين الصناعي والمجتمعي:

مثلما هي العلاقة جدلية بين الأمن الوطني والأمن الغذائي، فإنها أيضاً علاقة جدلية بين الصناعة ومعيشة المواطن، إذ إن انخفاض كلفة صناعة المواد الاستهلاكية والخدمية تعمل على تحسين حالة المواطن المعاشية، من رغيف الخبز إلى الثياب التي يلبسها. فكل ما يحتاجه المواطن من مواد استهلاكية وخدمية تصنع على المازوت وتتسعر بالدولار، وتلاقي الصعوبة الكبرى بالنقل في مختلف أنحاء سورية.. وعلى خلفية ارتفاع سعر المازوت وسعر الدولار وانخفاض قيمة الليرة السورية من  50 – 100% رسمياً، جعل الأسعار تتزايد وفق متتالية هندسية حدها الأول السعر القديم للسلعة عندما كان سعر ليتر المازوت 15 ل.س، وأساسها يضعه التاجر وفق حاجة المواطن. ونتج عن ذلك مافيات جديدة تتاجر بالخبز والغاز والمازوت والبنزين، إذ تأخذها من مصادرها النظامية وتبيعها في الأسواق الحرة الناشئة التي تمتد من بيت المواطن إلى ساحات العنف والقتال، عبر وسطاء يوفرون المال سلفاً لضعاف النفوس، ليتبين لنا أن جزءاً من الأزمة التي تعيشها بلادنا هي أزمة أخلاقية يعبر عنها هؤلاء في متاجرتهم بحاجات وضرورات الآخرين، قريب أو بعيد لا يهم.. المهم هو الربح وتكوين رأسمال من أي مصدر كان، ولو كان على حساب المتاجرة بالوطن.

يشتري المواطن عبوة بنزين سعة 20 ليتر بحجة أن لديه مولدة كهرباء، وهو لايملك فانوساً نمرة ثلاثة، ويبيعها على الطرقات مستغلاً حاجة الآخر إليها. مواطن آخر يخرج يومياً إلى الغابات ليقطع الأشجار المعمرة دون أخلاق ووازع من ضمير، وذلك بحجة التدفئة، إذ لايستخدم هذا المواطن أكثر من 20% مما يقطعه ويبيع الباقي بسعر الطن من 5000 إلى 9000  ل.س. أما بالنسبة لأغلب الأسر السورية فقد أصبحت الأسرة تتجمع بكامل أفرادها في غرفة واحدة على ضوء الشمعة أو فانوس الكاز، الذي يعمل على زيت النفط بدلاً من الكاز لعدم توفره أو غلاء سعره وبسبب عدم توفر المازوت.

ماذا نلاحظ الآن: سطوة مافيات الشوارع والطرقات العامة، وانتشار اللصوصية والجريمة المنظمة عبر كل الأنحاء، وسطوة حتى (الدكنجية)، والبيع بطريقة متجردة عن كل أخلاق. إذ إن كل واحد يعمل بالبيع والشراء، يبيع بالسعر الذي يريد.. والمواطن المغلوب على أمره ماذا يريد؟ أنا أقول يريد تدخلاً حكومياً مباشراً، وإصدار قوانين صارمة تشدد العقوبات بحق من يتاجرون برزقنا ومعيشتنا ودمنا ودفئنا.

العدد 1194 - 15/04/2026