المستهلك بلاحماية… الضبوط التموينية تراجعت والأسعار في ارتفاع والحكومة لاتحرك المياه الراكدة

يعيش المستهلك السوري بلا حماية، وتسحق دخوله الارتفاعات الهائلة في الأسعار، وأصبحت النسب والأرقام والمعدلات التي ترصد ارتفاع الأسعار بلا قيمة، وجوفاء، وتمر دون أدنى انتباه من الوزارة المعنية، التجارة الداخلية وحماية المستهلك، أو الجهات الأهلية التي تتابع ملف حماية المستهلك. وتراجعت الضبوط التموينية على اختلاف مرجعياتها القانونية التي تنظمها مديريات حماية المستهلك، وسجل العام الماضي انخفاضاً حاداً وغير مسبوق في عدد الضبوط، الذي وصل إلى 20833 ضبطاً، مقارنة ب 43 ألف ضبط عام 2011. وتبرر هذه المديريات التراجع في عدد الضبوط إلى (الأحداث والظروف الاستثنائية التي تمر بها سورية، وصعوبة العمل ضمن هذه الظروف). وهو مبرر مقنع في المحافظات الساخنة، التي تتعرض لأعمال عنف، وتشهد صراعاً دموياً، لكن ماذا عن المحافظات غير المحكومة بهذا التوصيف؟ ماذا عن دمشق مثلاً التي يقطنها نحو ثلث عدد السكان، وتعد محافظة آمنة، ولم تسجل مديرية حماية المستهلك فيها سوى 976 ضبطاً، و14 حالة إغلاق، و34 إحالة؟

بات جلياً، أن فقراء سورية هم الشريحة الأكثر ضرراً من الارتفاع الكبير بالأسعار، وهم الذين يدفعون ضريبة التراخي المؤلم الذي يحكم الأسواق، وسيطرة قلة من المحتكرين عليها، واستحواذهم على مقدرات البلد، ويتركون الفتات إلى هؤلاء الفقراء الذين لا يجدون مظلة اجتماعية  اقتصادية تحميهم، وتقيهم من مخاطر العوز والفقر والحاجة والفاقة…..إلخ. ومع كل ارتفاع جديد للأسعار، ثمة شريحة ما تخسر جزءاً مما بقي لها من دخل، وتغادر دائرة استقرارها المعيشي لتدخل في أتون الفقر، مسحوقة، مظلومة، وتعيش على الهامش، وتغيب ملامحها التي تميزها، ويختفي دورها من الحياة الاقتصادية والتنموية، وربما تتعرض لرهاب المشكلات الناجمة عن الفقر والبطالة بشكل عام.

ولابد من التأكيد، أن الحكومات المتعاقبة، لم تتمكن من ضبط الأسواق في سورية، وكانت الأسعار المرتفعة مادة دسمة جداً لوسائل الإعلام يومذاك، تتناولها بشيء من الاستهجان والاستغراب لموقف الحكومة العاجز عن  ضبط الأسعار والسيطرة على الأسواق. وبالمسطرة ذاتها يمكن القياس اليوم، إذ إن العجز وعدم القدرة على السيطرة يحكمان الجهود الحكومية تجاه حماية المستهلك وضبط الأسواق، ليضاف إليهما الأزمة الخانقة محلياً، لتكون مشجباً تعلق عليه الحكومة فشلها الذريع في هذا المجال، وسبباً إضافياً، لتبرر عجزها. وهذا الوضع فوت فرصة المفاجأة التي تعتمدها الحكومة لتبرير موقفها، و أثبت أنها تسير على خطا الحكومات السابقة التي لم تجد من الوسائل والطرق القانونية ما يكفي لضبط الفلتان في الأسواق، واستمرار حالة التراخي التي خلقت نوعاً من التمرد لدى التجار الصغار، شبيهة بحالة الحلقات الوسيطة و التجار الكبار الذين كانوا ومازالوا أكثر قدرة على تجاوز القوانين التموينية وأنظمة حماية المستهلك، ليقف صغار التجار ولا سيما تجار المفرق في الواجهة يتصدون لسهام النقد التي تغمز من عدم اكتفائهم بهامش ربح بسيط.

 اليوم  تحكم الحيتان الكبار الأسواق، وكل القوى المشتركة في منظومة الفساد، التي لا تقل خطورة في عملها، ومدى تأثيراته وانعكاساته على الحياتين الاقتصادية والاجتماعية، عما يجري في سورية، والأوضاع المتدهورة التي آلت إليها بعد 23 شهراً من العنف المتبادل. وركز بعض المسؤولين الحكوميين العاملين في مجال حماية المستهلك في العام الماضي على توفر المواد الاستهلاكية واحتياجات الناس الأساسية، وتجاهلوا عمداً الأسعار المتصاعدة، نزولاً عند موقفهم الذي يشدد على أهمية توفر المواد وإعطائها أوَّلية على ضبط الأسواق والأسعار، إذ كان التحدي الأول والهدف الأساسي الذي تعمل عليه مديريات حماية المستهلك، هو ضرورة توفر المواد في الأسواق، وبالتالي هذا الموقف الخاطىء، أدى إلى حالة التراخي وعدم الاهتمام بالضبوط التموينية.

البحث في ظاهرة الغلاء التي اتسم بها اقتصاد سورية في العام الماضي، ليس أمراً معقداً، ويمكن التوصل إلى الكثير من الأسباب لتحديد الغلاء والوقوف عليها، ولكن الأهم من كل هذا مدى القدرة على تحديد الأسعار الحقيقية، وإلزام التجار على مختلف تصنيفاتهم باعتماد الأسعار العادلة. لكن تشابك مصالح المسببين الفعليين للغلاء، سواء المنتجين أم التجار، لن يسهم في حل القضية، ولن يؤثر إيجابياً على حل المعضلة، فالأسباب ضرورية لتفسير الظاهرة واتخاذ ما يجب اتخاذه من إجراءات لمعالجتها، لكن غياب الإرادة الكافية والتدخل الإيجابي، وتشجيع المواطن على العادات الاستهلاكية الصحية والرشيدة، تحول إلى عامل ضعف جديد. إلا أن المشكلة في وجهها الحقيقي هي في تبدل النظرة، الرسمية، من نظرة إلى المواطن وحقوقه، واقتصارها على نظرة إلى مجرد زبون أو مستهلك.

العدد 1140 - 22/01/2025