التصدي العسكري لا يكفي وحده لمواجهة «داعش»!

نقلت بعض الصحف العربية مؤخراً التسجيل الصوتي الكامل لـ(أبي بكر البغدادي)، بعد أن نقلته مواقع إلكترونية، إذ إن حديثه أتى بعد انقطاع دام ستة أشهر، وفي ظل أنباء متضاربة عن حجم الإصابة التي قيل إنه تعرض لها من قبل طيران ما يسمى بالتحالف الدولي، وفي ظل تراجع التقديرات والرهانات على إمكانية سحق هذا التنظيم الإرهابي في العراق أو سورية على المدى المنظور، خاصة بعد أن تبين للجميع أن الولايات المتحدة وحلفاءها غير جادين في هذا المجال.

ويُجمع العديد من المحللين السياسيين على أن البغدادي الذي بات الموضوع الأول أو حتى البند الوحيد على جدول أعمال كل اجتماع إقليمي أو دولي، على أن ما جاء في حديثه يُوحي بأنه عازم على إعطاء الشرق الأوسط برمته شكلاً جديداً، وأنه بدا في حديثه أيضاً شديد التماسك والثقة.. فبعد عام من اجتياح تنظيمه للموصل، وأكثر من ثمانية أشهر على بدء الضربات الجوية الأمريكية والغربية لقواته في العراق، مازال هذا التنظيم يتمدد ويتوسع في اجتياحه للأراضي العراقية والسورية (في الأنبار على سبيل المثال)، مع احتمالات سقوط كبرى المحافظات العراقية في قبضته.. فالبنتاغون الأمريكي يروّج منذ أسبوعين لتقديرات عن قرب سيطرة داعش على (بيجي) كاملة، التي تؤمن للعراق ثلث احتياجاته من المشتقات النفطية.. وفي سورية وصل التنظيم إلى مدينة تدمر التاريخية، ودخلها بعد أن اقتحمها بحشود هائلة من الآليات والإرهابيين، أمام سمع وبصر طيران التحالف والأقمار الصناعية الأمريكية التي تكشف كل بقعة في سورية.. أمر عجيب فعلاً، وكأن أقمار التحالف وطائراته وأجهزة استخباراته لم تر الحشود الداعشية التي جاءت من الرقة لمهاجمة تدمر، حتى أن ريف السويداء لم يسلم من هجمات داعش، إضافة إلى وجوده في القلمون.. كل هذا يؤشر إلى أن التعامل الأمريكي مع ظاهرة داعش تعامل استثماري ومصلحي يثير عدة علامات استفهام.

والشيء المهم ماذا جاء في حديث البغدادي الذي أشرنا إليه في البداية؟

تضمّن الحديث حيزاً واسعاً عن قراءة البغدادي للإسلام، كيف يفهمه وينظر إليه؟! فهو يرى أن الإسلام دين قتال لا دين سلام، دين حرب وجهاد حتى يرث الله الأرض ومن عليها.. وبهذا فهو أعاد أطروحاته القديمة الجديدة حول ضرورة النفير والهجرة إلى الدولة الإسلامية، وامتشاق السلاح حيثما أمكن للمسلمين في ديارهم أو في ديار الكفر التي يقيمون فيها (على حد قوله)، وشدد في حديثه على أن دعوته للهجرة إلى أرض الخلافة ليس سببها الضعف أو الوهن أو الحاجة، بل تأتي في سياق الإشفاق على المسلمين وإسداء النصيبحة لهم والبر بهم.

على صعيد العراق، أكد أن دولته لن تقتصر على المناطق السنية في غرب العراق، بل ستشمل بغداد وكربلاء كهدف تال لمقاتلي دولته لتطهيرهما من (الروافض) حسب تعبيره، ثم كركوك بهدف تحريرها ممّن أسماهم (ملاحدة الأكراد) كما توعد من أسماهم (المرتدين) من أهل السنّة بسيوف  المجاهدين القريبة من أعناقهم.

ولم يوفر البغدادي في كلمته (العائلة السعودية الحاكمة)، فقد سخر من عاصفة الحزم، مُطلقاً عليها اسم (عاصمة الوهم)، ورأى أنها فشلت في تحقيق أهدافها، واعتبر أن الحراك السياسي والعسكري السعودي غير المسبوق وغير المألوف هو دليل على خوف السعودية من تنامي دور (الخلافة) واتساعها.. وهو يرى أنه ودولته في صراع مع السعودية على الشرعية والقيادة والريادة في العالم الإسلامي، وأنه يقاتل في الرمادي وبيجي، ولكن عينيه شاخصتان باتجاه مكة والمدينة.

وهكذا يتضح مما تقدم ذكره أن كل التقديرات المتفائلة بقرب سحق داعش أو تحطيمها وهزيمتها كانت غير دقيقة، بل مُخطئة، لاسيما تقديرات الولايات المتحدة الأمريكية. فعلى سبيل المثال، بعد أن كان العالم ينتظر معركة تحرير (الموصل) في ربيع هذا العام، أصبح هذا العالم يتحسب لسقوط الأنبار أو سقوط محافظات عراقية أخرى.

إذاً.. داعش باقية بل هي تتمدد، وأسباب ذلك:

-الانقسامات بين دول المنطقة وما توفّر لداعش من فرص لحرية الحركة، وحتى من أشكال الدعم والمساندة لها.

– تعاظم دور اللاعبين الدوليين والإقليميين واتساعه في أحداث المنطقة بدوافع مصلحية.

– تفكّك بعض الدول وتحول جيوشها إلى ميليشيات مثل ليبيا.

-تآكل الهويات الوطنية الجمعية، وبروز الهويات الطائفية والمذهبية والعرقية.

– ضعف أدوار التيارات السياسية والفكرية، القومية منها واليسارية والعلمانية عامة.

ويبقى السؤال المهم هو: ما العمل للتصدي لهذا المتوحش الداعشي الذي بلغ الذروة؟ وكيف يمكن أن يوضع حد له بعد أن استشرى وتمدد بهذا الشكل الخطير؟ وإلى أي مدى سيمضي شيوخ التكفير ودعاته ومشغّلوه في غيّهم وصلفهم وسمومهم، التي يبثونها في وسائل الإعلام المتنوعة، والتي تترجم بتطبيقات على الأرض تتمثل في المجازر والذبح والتدمير لكل ما يمت إلى الحضارة بصلة، إضافة إلى التهجير والتشتيت وسبي النساء وغيرها من الفظائع التي تُرعب البشرية؟!

لا شك في أن التصدي عسكرياً لإرهاب داعش أمر ضروري، إلا أنه بالتوازي مع ذلك يحتاج الأمر إلى مواجهة الأفكار والسموم التي يروج لها هذا التنظيم واجتثاثها من أذهان من يصغون إليها ويتقبلونها، عبر خطط وبرامج مدروسة تطبّق بدءاً من الأسرة، مروراً بالمدرسة، مع التركيز على الشباب المراهق الذي يتطلع إلى كل جديد دون أن يدقق في جوهره، إلى جانب قيام المنظمات الشعبية ومنظمات المجتمع المدني بدور أكثر فاعلية في هذا المجال.

فالدين الإسلامي لم يكن يوماً من الأيام دين حرب وصراع وقتال، بل هو دين سلام وتسامح وعيش مشترك مع الآخر، لا دين إبعاد هذا الآخر وتكفيره.

إذاً.. المعالجات الفكرية والأيديولوجية التي تبدأ بالبيت والمدرسة والجامعات وفضاءات الإعلام والثقافة والفنون ومنظومات الدولة عامة هي ضرورية وهامة جداً، فالتطرف كظاهرة اجتماعية لا يمكن رده لسبب واحد أو أكثر مثل الفقر والبطالة وفقدان العدالة الاجتماعية، على الرغم من أهمية معالجة هذه الأسباب، بل هو ظاهرة تتضافر في تشكيلها جملة عوامل ثقافية ودينية واجتماعية، خاصة منها الفتاوى التضليلية وتكفير الآخرين، مع الأخذ بالحسبان أن الخارج يغذي هذا التطرف إعلامياً وسياسياً خدمة لمصالحه، عبر محاولات آلاته الإعلامية الجبارة في أمريكا والغرب التي ركزت على (شيطنة الإسلام) تحت مسمى (الإرهاب الإسلامي).

وهنا تجدر الإشارة إلى أن مشاريع الدول الشبيهة بداعش جربت سابقاً وسقطت بأسرع ما يمكن، منها (إمارة طالبان) التي دامت أربع سنوات، إلا أنها انتهت ولم تترك أي أثر، كذلك الأمر بالنسبة إلى داعش، فلا هي تحمل مقومات دولة، ولا هي مقبولة أخلاقياً وإسلامياً وقيمياً.

العدد 1195 - 23/04/2026