أبواب
للجنّة أبواب سبعة، ولها أكثر من بوّاب، فيها أنهار وفواكه، غلمان وحوريات، وفيها مؤمنون. كثيرون من الناس يعدون أنفسهم أن يكونوا من أهلها، لا يشربون سوى الخمر، لا يضاجعون سوى العذارى، ولا يأكلون سوى التفاح، الخمر المقدّس، والعذارى الطاهرات، والتفاح المختلف عن تفاحة آدم.
للحكمة أبواب لا يعرفها سوى الحكماء، مع أنها مفتوحة على كل زمان ومكان. شعراء يدخلون ويخرجون، يقرؤون ويكتبون. أبواب مفتوحة على جنّة أخرى لا يراها غير أصحاب الحكمة.
للأقبية أبواب عدّة، لكل قبو باب يفتح مرتين، للدخول وللخروج، دخول أول، وخروج أخير. للبيوت أبواب، للأبنية وللخيام. هي المداخل لارتياد المخفي، المستور عن العيون. وكم قالوا: أنت في الداخل لست كما كنت في الخارج، بمعنى أنك كشفت وانكشفت، ازددت معرفة وامتلكت ما كان ينقصك، كما ساهمت في زيادة معارف الآخرين، الآخرين الذين كانوا يجهلونك.
للحدائق أبواب. ولو تأمّلنا قليلاً في ما يشكّله باب الحديقة من حدّ فاصل بين خارجها وداخلها، بين الشارع وصخبه، السيارات وأبواقها، وبين هدوء وسكينة تكنزها تلك الحديقة، تلك المساحة المطلّة على ضجيج، كم نشعر بالهدوء ونحن نعبر تلك الأمتار القليلة بين الرصيف وأول شجيرة تطالعك بأزهارها مرحّبة وعابقة.
للشرفات أبوابها أيضاً، تشكّل كأبواب الحدائق حدوداً بين عوالم مختلفة، فعالم يطلّ على المدينة، وآخر يفضي إلى أسرار ومكنونات مغايرة تتزاحم في بضع عشرات من الأمتار المربعة. حتى في داخل البيوت، فلخزانة الملابس أبوابها أيضاً، للمكتبة، للطاولات وللأدراج ولرفوف المطابخ، أبواب لا وظيفة لها سوى عزل ما خلفها عما أمامها.
في أبهاء الفنادق باب رئيس يوصلك إلى المدينة، وفي الطوابق والأجنحة أبواب أخرى تختزل نماذج لبشر من جميع أنحاء المعمورة، ولكل فرد عالم خاص قد يتناقض مع عالم شخص آخر، غرفته ملاصقة لغرفة الآخر بفاصل جدار إسمنتي، وربما خشبي.
الأبواب كلها تحمل نقائضها بذاتها، فالباب المفتوح هو بالتأكيد ليس ذاته في حالة الانغلاق، فهو ليس مساحة صغيرة من الخشب والدهان، وإنما شيء مختلف كل الاختلاف عن المادة المصنوع منها، تماماً كالبيت الذي ليس حجرات وممرات وشرفات فقط، وإنما أشياء أخرى قد لا نلمسها إلا بكثير من التأمّل، حين ندرك أن البيت أكثر من ذلك، فهو ذكريات ورائحة محبين وأهل وخلاّن، هو شحنات هائلة من الطاقات، يحدثها مرور الناس وأصواتهم وضحكاتهم. للقلوب أيضاً أبوابها، أبواب حقيقية وأخرى عاطفية، حقيقية توصل الشرايين والأوردة، وعاطفية توصل العاشقين والأحبّة والأهل والأصدقاء، الكلّ يصل إلى القلب عبر باب خاص به. أليست العينان بوّابتين سرعان ما توصلانك إلى الدواخل، أو تصدّانك مبتعداً عن مجالات لا ترحب بك؟
للمطارات والموانئ أبوابها وحرّاسها، فهي حدود فاصلة بين دول، بين أمم وشعوب، بين بشر نظّموا طرق عيشهم بشكل يقودك دائماً، وفي أحسن الأحوال، إلى حذر، حذر قد لا ترى مبرراً له إن كان منسوب الإنسانية مرتفعاً لديك، لكنك سرعان ما تدرك كم لهذه الفواصل من ضرورة، فهي تجعلك آمناً في وطنك.
للجنّة وللحكمة، للمدن وللحدائق، للبيوت وللأقبية، لكل الكائنات المستقلّة والمنعزلة مداخل لا تؤتى إلاّ عبرها، وإن كنت تحتاج إلى جواز مرور لعبور الأبواب فأنت تنتقل من مكان إلى مكان، تنتقل باحثاً أو مستطلعاً، أو غازياً. وإن كنت من النوع الأخير فلا تفاجأ أو تُصدم حين يدفعك المكان باتجاه العودة، أو تكون نهايتك. فهل عرف الآخرون لماذا لدمشق سبعة أبواب؟ ولماذا للجنة أيضاً سبعة أبواب؟