أن تعيش!
يبرع الحالم بابتكار أساليب الحياة، لكأن الحياة احتفال دائم بالحياة، من قال إن الموت هو الاسم الحركي لبشر وجدوا بفعل المصادفة أو الضرورة، في مساحات ليست تشبههم!
يقول الشاعر: (لا تعبِّر عن الفكرة، دعها تحقق ظهورها).
والفكرة تناهض قبحها بجمال مبتكر، إذن هو الإبداع، فإن اقترض من مرايا النار جاء هشاً وذابلاً، لكنه سارق النار الأزلي ليصبح المبدع فارساً تراجيدياً حينما يقف شغفاً على حافتين خطرتين، تراوغان قلق المعرفة وقلق الذات، لعلهما الحب والحرية، نافذتا الهامشي ليلتقط ذاكرته. وبعدئذ سيقولون إن التاريخ يعيد نفسه، على مسرح الكلمة وأثيرها وصحائفها الملونة، خارجة عن بلاغيات القوة وأوهامها (الجميلة).
ما الذي يبرر إذن تلك القصائد والملاحم، الروايات والقصص والمقالات، بغير الكلمة المختلفة التي أصبحت هاجساً، أو مساً (رجيماً)!
أن تعيش الكلمة، قدر لكاتبها أن يعيش، ولن يذهب حبره سدى، لن ينطفئ كشمعة خائفة. فمن على شرفة الوقت سيعلن مبدعو الزمن الاستثنائي أن ثمة عصافير تتكئ على سمواتها كي لا تقع، بين أيدي محتالي الكلام، أولئك الذين يوسعون خيالها بؤساً، مزيفو الأحلام، ناهبو قلوب البسطاء، مبددو شجرة المعرفة: (كالساق التي تنفي البذرة، والزهرة التي تنفي البرعم، والثمرة التي تنفي الزهرة).
فهل تحاكي الرواية الشعر أم تمتصه، أم تخاتله لتغرق به فتضيع الملامح؟ من يحمل دمها الشرعي؟ تقول الكلمة: هل الإبداع هكذا؟ ما طموح الرواية؟ وبالمقابل ما طموح الشعر؟ هل يقطع حبل سرته مع الرواية؟ الشعر صورة في قعرها ألم مقيم، وفي ثغرها ابتسامات طليقة.
وسخريتها من عبث الأقدار حيلة لتعيش، ولكي تعيش ستنطلي حيلتها الذكية على الخيال ذاته ليستمر، بمعجزة الجمال. يرونها سوداء لكنها تفيض على حدودها، إذ لا مشكلة أن يكون الكاتب هو الماضي الجميل لقارئ جيد، إلا إذا تخلى عن دوره كقارئ! الكلمة هي دم المعنى حينما يسيل في أرض الفكر، ليرسم جداول الأفكار، وأنهار الهواجس لتروي ظمأ المعرفة، وعطش اليقين، وتتجول بين ذكريات الأمكنة، وتتمظهر خطاب خصوصية فاتناً، تعيد تأثيث البيوت التي ارتجفت بها الخريطة، وتعيد تأثيث النفوس التي اختلطت أسماؤها.
حرب على الكلمة لأنها فن العيش لمن يكتبها حلماً، لعلك ترى فيه زهد التفاصيل، حرب على الكلمة بوصفها آخر. الكلمة وطن نكتشفه لنعيش فيه بثراء وحدتنا المتعددة، لا يقتل النسغ المبتكر الألوان. ربما نعتذر للجاحظ بأن المعاني لم تعد على الطريق، ولم يعد بمقدور أحد التقاطها. هي في أقصى المخيلة وفي أقصى اللغة، باحت بيوتنا بالأسى المكسور، وانتسبت كتبنا المسروقة/ المحروقة إلى ممكن الحنين، وظلت الكلمة تواسي قدرتنا ومحاولتنا على أن نشبهها ولو قليلاً، لنأخذ من العيش حصة إضافية تستعيد تاريخاً مديدا لا يسقط بأثر رجعي.
تعانق الكلمة حداثتها في تاريخ يستمر بجدوى زنبقة يخاتلها الموت، لكنها تهزمه برائحتها/ ذاكرتها، تذهب لممكنها في الاستعارة والكناية والمجاز، لتضاعف دقيقة حياة. وستنام الكلمة في كتابها ليظهرها الصباح قرنفلة حمراء شاهدة على حياة تأتي، مبرأة من ندمها. وتبدأ باستدعاء ميلادها، فقط ستحتاج إلى عينين وحفنة إيمان ووهج فكرة لتباشر احتفالها على طريقتها لتمتحن وعياً كامناً كبذرة تتشهى ضوءاً بصيراً، وتدفع أعداءها إلى ما وراء النسيان، ولن تُطِلَّ من نافذة على عدم، لأنها ببساطة تريدنا أن نعيش، وأن لا نفيء إلى حلكة لا قيامة لها.