مراسم الصبر

 نعلم بأن هناك بشراً تتعايش مع الصبر، ونعلم بأن ليس كل البشر يصبرون صبر أيوب. حلم صغير أصبح يسكن فكرنا، مدينة كبيرة نسميها مدينة السلام والأمان ندخلها دون ضجيج، ويقطنها جميع النازحين واللاجئين، نتعهد باحترامها كما نحترم الأموات، ونؤسسها كما نؤسس مستقبل أحلامنا، نحمي أطرافها كما نحمي عقولنا وأفكارنا من زهايمر الذكريات التي لم نعلم يوماً بأنها ستصبح جرحاً مؤلماً، تبقى ساكنة بعض الأوقات كالخلايا الميتة في الجسد، ما إن نذكر بعض شعائرها حتى تحيا من جديد وتتساقط الدموع لإيقاننا بأننا أصبحنا أيتاماً دون أن نفقد أباً وأماً، ولكن فقدنا الأمان في أرض ووطن كان يمثل ذلك الحنان. تتلاشى ذاكرتنا مع الوقت لا نستطيع أن نذكر شيئاً سوى وطن جريح.

  هكذا بدأ الحلم، في كل يوم يمضي يتعرى به من انتهاء الأزمة القاتلة، وفي كل ساعة حقد تسير عقاربها ببطء تعتبر في نظرهم صفقة رابحة، فمازالوا يعتبرون كل شيء في حياتهم صفقة، من ولادة وتعليم إلى عمل وزواج، حتى أصبح ياسمين بلادنا صفقة تجارية رابحة، فهاهي ذي أحقادهم تتناثر في كل مكان، من العراق إلى مصر وتونس وإلى ليبيا، وفي النهاية تتوج أحقادهم وصفقاتهم عندما تقرع كؤوسهم على أجساد العاهرت. لم ينكر التاريخ من هم، ولم تنكر شعوبهم من يكونون، فقليلون من يرغبون في الحروب والنزاعات من شعوبهم، وكثيرون من يطالبون بالسلام والأمان، فهاهم أولاء يدخلون تحت أسم شعوب مضطهدة في عالم أحلامهم، وأمنياتهم بدمار ومذابح أكثر من صبرا وشاتيلا، لم تمت أحلام الطفولة ومستقبل الأجيال في مدينتنا، والجميع ينتظر عودة الأمان والسلام إلى مدينة الياسمين، ولكن لا أحد يستطيع أن يبتسم عند سماع صراخ المدينة وضجيجها، فهل سننتظر وقتاً طويلاً لبزوغ الفجر، أم أننا سنبقي نردد في وحدتنا ذكريات عبرت أفق بلادي؟. 

العدد 1194 - 15/04/2026