الحكومة تُدربنا على رفع الدعم!

إن أحد أهم أسس وأسباب الاحتجاجات الشعبية التي قامت في سورية قبل عامين، هي السياسات الاقتصادية التي اتبعتها الحكومة السابقة للأزمة بطاقمها الاقتصادي المبجّل، تحت ستار اقتصاد السوق الاجتماعي الهادف إلى تلبية ومراعاة احتياجات الطبقات الشعبية الفقيرة كي تستطيع تأمين مستلزماتها المعيشية بشكل يحفظ كرامتها وإنسانيتها. وتبيَّن لاحقاً أن ذلك النهج قد ابتعد بسرعة عن أهدافه المرسومة أو المزعومة في مراعاة الأوضاع المعاشية للجماهير الشعبية الواسعة، ولحق بركب الانفتاح وتحرير الاقتصاد من عقاله، حتى باتت الحياة اليومية للناس جحيماً لا يُطاق بفعل الغلاء الفاحش الذي استشرى، وعدم الوفاء بالزيادات الموعودة على الراتب كي يحقق نوعاً من التوازن بينه وبين الأسعار المحلّقة دوماً. إضافة إلى البطالة التي اجتاحت مواكب الشباب من خريجي الجامعات الذين باتوا عرضة للكثير من الانحرافات السلوكية أو الأمراض النفسية، نتيجة إحساسهم بأنهم عالة على أسرهم، وشعورهم بالخيبة والمرارة لما آلت إليه حياتهم ومستقبلهم الذي خالوه وردياً ينتظر شهاداتهم الأكاديمية وهممهم وطموحاتهم. إضافة إلى مواكب أخرى من شباب غير متعلّم بعضه كان يعمل في القطاع الخاص الذي تخلى عن أعداد ليست بالقليلة منهم، وبعضه الآخر تراه يفترش الساحات في انتظار باحث عن عامل ولو بأجر زهيد.

ومعلوم أن تلك القوة من الشباب هي التي استُغل قسم كبير منها لاحقاً استغلالاً مأسوياً خلال الأزمة التي عصفت بالبلاد، فأحالت الحياة إلى جحيم آخر أكثر اشتعالاً بفعل الاقتتال الدائر الذي حصد أرواح العديد من البشر، والدمار الذي لحق بالمساكن والمصانع والمنشآت الحكومية والبُنى التحتية كاملة. ناهيك بلهيب الأسعار المرتفع ساعة إثر ساعة والذي طاول كل شيء في حياة الناس، ما فاقم حالة البؤس والفقر والجوع لدى أعداد وشرائح ليست بالقليلة.

 فلقد ازدادت نسبة الغلاء أضعافاً مضاعفة مقابل تدني قيمة الليرة وانخفاض مستوى الأجور التي لم تعد تُغطي جزءاً ضئيلاً من احتياجات الأسرة ولمدة أيام فقط من الشهر بفعل استغلال حيتان السوق وتجّار الأزمات الذين استشروا نهباً واستغلالاً لقوت الناس. هذا عدا ارتفاع بدلات الإيجار إلى مستويات خيالية في معظم المناطق الآمنة بفعل استغلال تجّار العقارات لحاجة البعض إليها نتيجة تهدّم مساكنهم ونزوحهم من مناطقهم. هذا طبعاً بالنسبة لعمال وموظفي الدولة. أما عمال القطاع الخاص وأصحاب البسطات التي تكاثرت بفعل الأزمة، وأولئك العاطلون عن العمل، فحدّث ولا حرج عن تفاقم وصعوبة أوضاعهم المعيشية في ظل ما استشرى من غلاء على جميع الصُعُد نتيجة انعدام إمكاناتهم المادية أو نُدرتها في أفضل الأحوال. كل هذا في ظل غياب الدولة وانسحابها من الرقابة على الأسواق والأسعار، إضافة إلى تراجع دورها في العديد من الخدمات المقدمة للمواطنين بسبب ما استحوذته الأزمة من هذه الخدمات كالمشافي والوقود وغيرها.

لا نريد هنا استعراض السلع والمواد التي فاقت أسعارها حدود الخيال، كالمازوت والغاز وغيرها من مواد استهلاكية، لأنها باتت معروفة للجميع حتى أولئك المسؤولون عن الأسعار في وزارة التموين، لكننا نود الإضاءة على مواضيع باتت تؤرّق الناس وتُقلق مستقبلهم في ظل تلك التسريبات عن نيّة الحكومة الحالية رفع الدعم عن المواد والسلع الاستهلاكية كالمازوت والغاز والكهرباء والمواد المقننة(سكر وأرز)، لتفادي بعض العجز الحاصل في الخزينة العامة للدولة مقابل تعويض من (يستحقون) الدعم بأشكال غير واضحة حتى الآن. قد يكون بشكل تحديد الكميات المخصصة للاستهلاك، أو بشكل تعويض نقدي إضافي على رواتب العاملين في الدولة حسبما ورد في افتتاحية (النور) العدد الماضي.

إذا صحّ هذا الكلام، فإن هذه الحكومة تُكمل ما قامت به الحكومة السابقة قبل الأزمة عندما تخلّت عن الشق الاجتماعي في اقتصاد السوق الذي انتهجته، ففاقمت بذلك من فقر شرائح واسعة من المجتمع من خلال شبه تلاشٍ للطبقة الوسطى التي تآكلت وانتقلت إلى الطبقة الفقيرة بفعل تلك السياسات التي أحرقت البلاد والعباد. أجل إن هذه الحكومة إذا أقدمت فعلاً على رفع الدعم، فإنها ستحرق العباد أكثر مما هي متلظية بنار الغلاء والدمار والدم، وكل أشكال الدعم المقترحة أو التي ستقدمها لن تُجدي نفعاً في ظل تجارب سابقة فاشلة، كتوزيع البدل النقدي للمازوت مثلاً.

وعملياً يمكننا القول إن الحكومة حالياً تقوم بتهيئة الناس من أجل إلغاء الدعم بواسطة عدم توفر مادة الغاز المنزلي بالسعر النظامي في جميع المناطق السورية، إلاّ لمن يجد من يتعهده برعايته من أصحاب الشأن والصولجان، كما المازوت طبعاً، الذي انتهى موسم الشتاء والعديد من الأُسر لم تحصل على مخصصاتها التي حُددت لها في قسائم الدعم التي وزّعت عليها. إضافة إلى العديد من الفئات التي لا تمتلك بطاقات عائلية، وبالتالي لم تحصل على القسائم، بخلاف أُسر حصلت على جميع مخصصاتها بقدرة قادر طبعاً. فكان أن مرّ شتاء قاسٍ بكل المقاييس على أولئك الناس. هذا إضافة إلى أن توزيع مادتي السكر والأرز تأخر كثيراً عن موعده، فالقسائم التي توّزع الآن هي من مخصصات العام الماضي، بمعنى أننا في نيسان من هذا العام حصلنا على مخصصات الربع الأخير من العام المنصرم، وبذا نكون قد فقدنا الدعم عن أربعة أشهر إن لم يكن أكثر، وما زلنا بانتظار توزيع مخصصات الربع الأول من العام الحالي. أليس هذا تخليّاً جزئياً عن الدعم الذي اضطر الناس لشراء هاتين المادتين بالسعر الحر لفترات غير قليلة وصل فيها سعر كيلو السكر إلى أكثر من مئة ليرة، والأرز أكثر من ذلك.

كما لا يمكننا إغفال ارتفاع فواتير الكهرباء التي قضمت ثلث الراتب وبشكل غير مقنع في ظل انقطاع متكرر للكهرباء أو التقنين المفروض على المواطنين. إذ بلغت هذه الفواتير الآلاف من الليرات بحيث كانت صدمة للعديد من المشتركين، أفلا يُعدّ هذا الوضع تمهيداً لرفع الدعم عن تلك الخدمات..؟

صحيح أنه يجب تحديث عمل الحكومة وأساليب الدعم المقدمة للمواطنين لكن ليس في ظل أزمة حرب بكل تبعاتها وانعكاساتها المادية والمعنوية اقتصادياً واجتماعياً كالتي نعيشها من جهة، ومن جهة أخرى ليس بالأشكال المتبعة سابقاً والتي أثبتت فشلها. وكم تمّ من سرقات بموجبها، لأنها قامت على أسس غير مدروسة جيداً، ولم تأخذ بالحسبان فئات من المجتمع لم يشملها الدعم المتبع كالشباب والفتيات العازبين المستقلين في معيشتهم، أو النساء المطلقات أو من هن في خانة الزوجة الثانية. هذا طبعاً ناهيك بمن لا يعملون في الدولة، والذين ذاقوا الأمرّين في سبيل الحصول على دعم مشوّه لم يغطِ قيمة ما خسره أولئك الناس نتيجة إلغاء الدعم.

نأمل من الحكومة والفريق الذي قد يُشرف على تلك الخطوة، إذا صدقت التسريبات الحالية، أن يكونوا أكثر درايةً بالواقع المرّ الذي يعيشه الناس في ظل الحرب الدائرة، وبالتالي خطورة الانعكاسات التي سيخلقها مشروعهم هذا في زمنٍ غير مواتٍ للمجازفة لا بالوطن ولا بالمواطن.

العدد 1194 - 15/04/2026