الأستاذ رضا الخطيب في ذمة الخلود رثاء بقلم تلميذه عبد الله حنا

أعتقد أن أجيال ديرعطية الحالية لا تعرف شيئاً عن الأستاذ رضا الخطيب، كما أن ظروف الوظيفة لم تُتِح للأستاذ رضا بعد منتصف خمسينيات القرن العشرين الاستقرار في ديرعطية. ولم تسمح الأوضاع بتعرف الناس على ما تمتع به الأستاذ رضا من سجايا: علم، أخلاق، إخلاص، وطنية، ورع، تديّن مع كره للتعصب، وحب لسائر عباد الله بروح سمحاء قلّ نظيرها.

أدركت المنية الأستاذ رضا المقيم في دمشق في يوم من أيام ربيع 2013. كاتب هذه الأسطر، وهو مقيم إقامة مؤقتة في ألمانيا، تلقى من صديقه الوفي أحمد حسن رسالة على الفيسبوك جاء فيها: (التقيت بخالد الخطيب (أبي حسن) وسألني عنك، إذ لم يتمكن من الاتصال بك لإخبارك عن وفاة رضا الخطيب). وكنت قبل مدة من الزمن رجوت الأستاذ خالد الخطيب زميل الدراسة أن يخبرني عند وفاة الأستاذ رضا كي أسير خلف جنازته تعبيراً عن مشاعر الاحترام والمحبة له. وهكذا وصلني النبأ و أنا بعيد عن الوطن المثخن بالجراح. وسرعان ما شعرت بحاجتي إلى الكتابة عن أستاذي رضا الخطيب في الصف الخامس (السرتفيكا) من العام الدراسي 1945 – 1946.

***

ولد رضا الخطيب في ديرعطية (الحارة التحتا، زقاق الشمس) وتعلم على التوالي في مكتبَيْ محمد شريف القصاب والشيخ كمال القصاب. وبعد أن ختم القرآن وتعلم الكتابة وإجراء العمليات الحسابية الأربع، انتقل عام 1928 إلى مدرسة المعارف، في دار بيت الشاويش، ومعلمها الوحيد الأستاذ زكي التجار. وكانت مدرسة المعارف في ديرعطية تضم آنذاك ثلاثة صفوف فقط. ولهذا انتقل رضا الخطيب، بعد أن أتم دراسة الصف الثالث، إلى مدرسة المعارف في النبك، وأمضى الصفين الرابع والخامس في النبك. وبعد أن اجتاز امتحان السرتفيكا بنجاح، انتسب إلى مكتب عنبر (المدرسة الإعدادية والثانوية الوحيدة في دمشق آنذاك). وكان أول ديرعطاني يتعلم في هذا المكتب الشهير في ذلك الزمن.

حاز رضا الخطيب البكالوريا الأولى عام ،1938 وعُيّن معلماً وكيلاً في البوكمال براتب شهري قدره 30 ليرة سورية. وكانت الليرة في تلك الأيام تفلح الأرض فلاحة، وكل خمس ليرات ونصف تعادل ليرة ذهبية انكليزية أم حصان. وأثناء إقامة رضا الخطيب في هذا البلد النائي لمدة ثلاث سنوات تمكن – بالدراسة الحرة – من اجتياز امتحان شهادة البكالوريا الثانية عام 1940. وانتسب إلى دار المعلمين لمدة سنتين، عُيّن بعد نيله أهلية التعليم الابتدائي عام ،1944 معلماً في مدرسة ديرعطية.

لقد بقيت مدرسة ديرعطية الابتدائية الرسمية المعروفة باسم (مدرسة المعارف) تتعثر في رسالتها التربوية بين صعود وهبوط حتى عام 1944 عندما انتقل إليها الأستاذ بشارة نعمة، الذي سرعان ما لقي نجاحاً باهراً في تعليم الصفوف الأولى. واشتد ساعد هذه المدرسة بعد مجيء الأستاذ رضا الخطيب، الذي أرسى دعائم المدرسة وأعطى تلاميذ الصف الخامس (ومنهم كاتب هذه الأسطر) للعام الدراسي 1945 – 1946 عصارة معارفه التربوية والعلمية.

***

عرفت ديرعطية رواداً للثقافة منذ الثلث الأول من القرن العشرين. أعقب روادَ الثقافة الأوائل جيل ثان مثقف أكثر عدداً تلقى تعليمه الثانوي أو الجامعي وكوّن الهيكل الأساسي للشباب المثقف، الذي قام بالتعاون مع من كان مقيماً وحيّاً من أبناء الجيل الأول، بتأسيس رابطة المثقفين في دير عطية عام 1950.

تألفت اللجنة التنفيذية لرابطة المثقفين من: يوسف البطل (رئيس الجمعية العمومية) زكي التجار، عطا الله مغامس، رضا الخطيب، عبيد البطل، مصطفى الحاج إبراهيم. إضافة إلى مكتب إداري مؤلف من شفيق طرفة، وبشارة نعمة وخالد عبد السلام.

أثناء انعقاد الاجتماع (الثاني) السنوي للهيئة العامة في صيف 1951 لانتخاب اللجنة التنفيذية ورئيس الهيئة العامة، لفت أحد الأعضاء انتباه الحضور إلى مخالفة الهيئة العامة لدستور الجمهورية السورية، التي تنص إحدى مواده أن (دين رئيسها الإسلام)، عندما انتخب المسيحي يوسف البطل رئيساً لها. وجرى حوار (هادئ ساخن) بين ذلك العضو وجميع الأعضاء المسلمين في رابطة المثقفين، الذين لم يوافقوه في الرأي، وأعلنوا – وفي مقدمتهم رضا الخطيب – أن يوسف البطل هو أكفأ عضو مقيم في ديرعطية مؤهل لرئاسة الرابطة، ولا فرق بين مسلم ومسيحي مادام هدف الرابطة هو إصلاح البلدة. وقد عكس هذا الموقف الأجواء النهضوية اليعربية المستنيرة السائدة بين مثقفي ديرعطية في الخمسينيات، ودلّ على زخم الحركة الوطنية العربية في سورية وشعارها (الدين لله والوطن للجميع).

ذكر الأستاذ عبيد البطل في لقاء معه عام ،1992 أن المثقفين المسيحيين، وهم العدد الأكبر في الرابطة آنذاك بسبب اتجاه المسيحيين نحو المدارس، كانوا يدركون أن نجاح الرابطة وتَرَسُّخَ أقدامها يقتضي انتخاب رئيس مسلم مراعاة للمشاعر العامة.

في اللقاء الثاني، الذي أجريته بتاريخ 15/3/1999 مع الأستاذ رضا من أجل أخذ معلومات للإعداد لكتاب حول تاريخ ديرعطية. (وقد تمّ طبع هذا الكتاب في دمشق عام 2002 تحت عنوان: ( ديرعطية التاريخ والعمران، من الوقف الذري إلى المجتمع المدني.. أواخر القرن الثالث عشر – منتصف القرن العشرين). تناول هذا اللقاء، كما اللقاء الأول، مع الأستاذ رضا مواضيع شتى. وجرى الحديث عن رابطة المثقفين ومقاومة (بعض كبار الضيعة) للرابطة مستغلين ترؤس المسيحي يوسف البطل لها. وكنت أعلم، كشاهد عيان، أن الأستاذ رضا كان أشد الأعضاء المسلمين حماسة في الدعوة إلى عدم التفريق بين مسلم ومسيحي في قيادة الرابطة. أثناء الحديث ذكر الأستاذ رضا: (أن أبا صلاح (يوسف البطل) وأبا عبدو (عبيد البطل) رجوه القبول برئاسة الرابطة، حتى لا تعبث الأيدي الخفيّة المتضررة من قيام الرابطة وسعيها للإصلاح للقضاء عليها). وهكذا جرى انتخاب رضا الخطيب رئيساً وبَقِي يوسف البطل عضواً في اللجنة التنفيذية. وأضاف الأستاذ رضا مؤكداً أن هدف جميع المثقفين كان العمل لإصلاح البلدة، وهذا سر نجاح الرابطة في خمسينيات القرن العشرين.

***

بعد إعلان نتائج امتحان البكالوريا لعام 1952 قام وفد من الرابطة يتقدمه رئيسها رضا الخطيب بتهنئة الناجحين فيها، وكنت واحداً منهم. ولا أزال أذكر الفرحة التي غمرتني عندما رأيت الأستاذ رضا يزور بيتنا، وكانت فرحتي بزيارته تفوق فرحتي بالنجاح في البكالوريا، التي كان لحاملها آنذاك مركز مرموق في المجتمع.

انتقل الأستاذ رضا من مدرسة ديرعطية إلى إعدادية القلمون، دون أن ينسى واجباته تجاه رابطة المثقفين الرامية إلى الإصلاح كهيئة مدنية أو أهلية لقيت تأييداً من أكثرية (أهالي الضيعة). وفي تلك الأثناء كان الأستاذ رضا يتقدم لامتحانات كلية الحقوق، ونال الإجازة في الحقوق. وبما أن وزارة المعارف (التربية) لم تكن تعترف بشهادة الحقوق، اضطر الأستاذ رضا من أجل تحسين راتبه للانتقال إلى وزارة الداخلية، مختصاً في الشؤون الإدارية. ولم يكن الأستاذ رضا مرتاحاً نفسياً للعمل في وزارة الداخلية، فتكوينه النفسي وتربيته وصوفيته التقية النقية لم يكن مكانها في وزارة الداخلية. وكثيراً ما أفصح عن عدم ارتياحه من العمل في وزارة الداخلية، وكان ينتظر يومياً انتهاء الدوام والعودة إلى البيت للخلاص من اللباس العسكري، الذي عدّه عبئاً ثقيلاً عليه.

***

توفي الأستاذ رضا الخطيب وهو مطمئن البال بأن عمل الصالحات كان ديدنه، وهو المسلم الصادق الورع والإنساني المخلص، السائر على هدى الحديث الشريف (الخلقُ كلّهم عيالُ اللهِ، وأحبّهم إلى الله أنفعُهم لعيالِهِ).

وختاماً لا بدّ من القول إن من حبّبت الإسلام إليّ هو الأستاذ رضا، معلمي في الصف الخامس، وهو يجمع بين الفكر والعمل بسلوكه وتواضعه وصدقه. وما أشاهده هذه الأيام من تصرفات مرعبة لدعاة الإسلام السياسي المتطرف، يدفعني للمقارنة بين هذا الإسلام، الذي يدعو إليه المتطرفون المتزمتون وبين إسلام الأستاذ رضا ابن الشيخ الإمام يحيى الخطيب المنحدر من عائلة كانت أيام عزها، تجمع بين (أمور الدين والدنيا). ولم يكن الأستاذ رضا متعصباً لعائلته، بل كان كما ذكرنا مسلماً يتعاطف مع الصالحين من جميع الأديان، وينظر إلى الجميع نظرة محبة إنسانية.

إنه الإسلام الذي سار على هديه الأستاذ رضا- رحمه الله!

العدد 1194 - 15/04/2026