أنين الصمت
(أطفالنا بناة المستقبل)، عبارة نرددها في حياتنا إلى يومنا هذا، ليست جملة تنطقها أفواهنا وتكون عابرة، فهي حقيقة واضحة لا يمكن إنكارها أو التقليل من نتائجها، فمازال الحلم ينمو منذ الطفولة ويكبر. في كل عام يشعل الأباء شموعاً لأبنائهم، أملاً بغد أفضل، بحياة كريمة و مستقبل يزهر بورود جديدة، ببلاد قوية لا يهزها شيء، فبداخل كل طفل وطفلة حلم صغير وأمنية كبيرة يستطيع كل منهم أن يحققها بالجهد والتعب، بحب وعشق الحلم الذي يلاحقهم في كل يوم يعبر ويتحقق جزء صغير منه، ولكن أي مستقبل ينتظر أطفالنا وأي بناء سيصنعونه لهذا المستقبل الغامض الذي يظهر مبادئ القهر البشري؟
نعود إلى الخلف قليلاً قبل أن تبدأ الأزمة، لنسمع ونشاهد ضجيجاً يسكن الأحياء، بضحكهم وصراخهم بألعابهم وحياتهم الفوضوية التي لا نستطيع إلا أن نحبها، من أجل ابتسامة صغيرة يرسمونها على وجوههم بضحكتهم الصغيرة والكبيرة التي تسعد قلوبنا، لهذيانهم وكلماتهم البريئة، لحديثهم وبكائهم، ونشعل من أجلهم الشموع، لمرضهم الذي نعتبره بأنه مرض قلوبنا وعلينا معالجته لأننا نعالج عيوننا التي سننظر بها إلى الغد، من أجل كل شيء ينبض في أجسادهم الصغيرة والكبيرة، لرسم قبلة حب وحنان فوق جبينهم، والدعاء لهم بأن تصعد أرواحنا قبل أن تصعد أرواحهم. لم يعد ذلك الضجيج يملأ الأحياء، اختفى كل شيء في زمن صمتت الإنسانية ووقفت تنظر إلى هؤلاء الأطفال وهي تضع ملايين إشارات التعجب عن حياتهم و مشاعرهم النبيلة والبريئة، وعلى أجسادهم النحيلة وأفكارهم الغامضة، تقف وتعجز أن تقدم شيئاً لأطفال أصبحت حياتهم في مخيمات اللجوء، وفي أحياء وشوارع البلدان المجاورة التي يسيرون بها ليبتاعوا بعضاً من أشياءٍ بخسة الثمن، وعلى جهة أخرى ينقضون على زجاج السيارات العابرة ويمسحون زجاج نوافذها ويأخذون بعض القطع النقدية التي لا تفرحهم ولكنها تفرح آباءهم لتأمين قوت يومهم، حنين وذكريات وحفنة تراب من الوطن يشمّون رائحتها في المخيمات، ينتظرون وينتظرون العودة إلى كل شيء، إلى وطن يئن ألماً، إلى حي ربما نفُي مكانه وذهب مع الحقد، إلى مدارس أصبحت جدرانها تسكنها الرعب، ينتظرون بعد أن فقد البعض عقله وأصبحت الحياة تشكل مأساة لهو، الخوف يسكن قلوبهم مع كل صوت رصاصة يتذكرون صوتها، أحلام أصبحت كالسراب، يبكون ياسمين دمشق وغصن زيتون وحدائق تسكنها الذكريات قبل اللجوء، تدمع أعينهم على حياتهم وأصدقائهم وأمنياتهم يدفعون ضرائب ورسوم ذكرياتهم الجميلة ضريبة حرب ليس لهم فيها شيء سوى أنهم أبناء هذا البلد. غطى ثوب الحزن أجسادهم، أصبح الفقر يسكن قلوبهم، فقرهم لكل شيء جميل إلى ضحكة أطلقوها في الماضي بصوت عال. ألم وقهر وفقدان للفرح الذي أصبح من الأشياء النادرة، بابتسامة تخجل أن تظهر على وجوههم، أطفال ولهم حق العيش بأمان والمرح واللعب بأشياء كانت لهم يوماً ومن ثم حطام أو رماد.
نصمت لأجلهم، نصمت لحزنهم ولأخطائهم التي لا نستطيع أن نحاسبهم عليها خوفاً من أن تنطق أفواههم بعبارة أصبح يرددها الكثيرون منهم (بأي ذنب أتينا إلى هذه الحياة القاتلة)؟ لم نعد نستطيع أن نروي لهم قصصاً وروايات عندما ينامون بين أحضان وطنهم، فقصص القتل والرعب التي يعيشها أطفال هذا العصر تكفي لتجعلهم ينامون خوفاً من دوامة الحرب، فخلف كل بكاء طفل قصة حزينة، وخلف كل أنين صوت لهم بصمة ذل على حاضرنا وماضينا، كيف سنشعرهم بأن كل ما حصل هو حرب طاحنة، تحصل في كل الأجيال ويجب أن تعتاد عيونهم على مشاهدة الدم في كل حرب تكون برعاية الغرب؟ و يجب عليهم الإيمان بأنه مع كل حرب يموت جيل من الورود وينبت جيل من الريحان، نعمل ما في قدراتنا لإعادة البسمة إلى وجوههم والفرح إلى قلوبهم والسعادة لحياتهم، ومستقبل آمن خال من الحروب.