نحو ثقافة اقتصادية وطنية
عبر التاريخ يتمتع الشعب السوري بمزايا قلّما وجد من يتمتع بها سواء تقنية أم إنسانية أم أخلاقية، وهذا ليس غريباً على شعب يقطن بلداً عاصمته دمشق أقدم عاصمة مأهولة في التاريخ، وحلب الشهباء واللاذقية، بلداً شبّهه أحد المستشرقين بالمتحف العالمي الطبيعي، وآخرون يصفونه بجنة الله على الأرض لجماله وطبيعته وآثاره الحضارية والدينية، بلداً أعطاه موقعه مزايا تجارية كبيرة راكمت ثقافات وتقنيات على الصعيد العالمي، كما صناعة النسيج، وما اشتهرت به حلب ودمشق بوصفها مراكز تجارية وطرق عبور أهم القوافل التجارية.
عراقة هذا الشعب وعمقه وذهنيته، جعلته عصياً على كل من أشعلت الغيرة هواجسه، والطمع كيانه، لفترات طويلة متعاقبة، وأغلقت الأبواب أمام مؤامرات، ومغامرات ما ساعد على الاستقرار الذي أرسى أسساً للتنمية والبناء الفوقي والتحتي، على الرغم من بعض الأخطاء والثغرات، ولكن ما أوصلنا إليه البعض في أواخر السنين من سلوك وتصرفات، وما فرض نفسه من أعراف هدّامة ومن تمرير قوانين تجعل المرء يصاب بالدهشة لسياسات كهذه قوّضت هذه النهضة، وجعلت البنى من الهشاشة بحيث تخسر مناعتها ومقوماتها، سياسات عاكست العقلية السورية البنّاءة وألحقت ضرراً يشبه السرطان، بأغلب البنى والألفة والوحدة الاجتماعية، سواء البنى الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية، فأصيب المجتمع بنقص مناعة مفتعلة وأصبح النيل منه أسهل على كل المتربصين.
وكم علت أصوات وأفاضت أقلام محذرة من الوصول إلى ما وصلنا إليه. نصحنا لأننا كنا نرى الطريق مفتوحاً أمام صراعات وقودها التناقضات المنعكسة لمحاباة البعض، وتطفيش البعض، تناقضات اجتماعية أفقية وعمودية قزّمت الطبقة الوسطى وشطرت الرأسمالية وأغرقت الأغلبية بالفقر والبطالة، وتناقضات سياسية لتفريغ منظّم أصاب الكل بين من يسير في اتجاه أن يكون بديلاً، وبين من يخاف أن يعارض سياسات تقزّم إيديولوجيته التي كانت أسّ بناء سورية من خلال التعبئة الأيديولوجية أو العطاءات الاقتصادية والاجتماعية والخروج عن روحها قتل لمصداقية هذه الأيديولوجية وبعض هذه السياسات انتقاص للحريات وتهميش للسلطات وتقويض للمؤسسات.
إن القوة الناجمة عن الانصهار الاجتماعي لبلد وصل إلى مراحل متطورة من الأمن الغذائي والصناعات والقطاع العام القوي الذي أصبح الهدف لدى البعض قتله وإلغاءه، والبنى الفوقية التي أظهرت إبداعاً ومبدعين وشبه عدالة اجتماعية ونهضة اقتصادية واجتماعية، وبنية تضاهي أغلب بلدان المنطقة وتتفوق عليها، وكذلك تعارض بين السياسات المارقة وبين البنية الاجتماعية والعقائدية لشعبنا، فكانت هذه السياسات يتيمة، لم تستطع أن تملك الحامل الاجتماعي الذي ما فتىء يعارضها، لسلبها كل المزايا التي كان يتمتع بها، وسلب الوطن سبل الاستمرار التنموي وتوازن هذه التنمية وما سينجم عنها من نقص مناعة وصراعات لا يرغب بها سوى من يريد الحفاظ على وجوده، والغرب المتربص بسوريتنا. فأي سياسة غريبة لا تملك حاملاً لن تمر إلا بأسلوب الصدمة ومن يقوم بها لا يهمه انعكاساتها وإنما تمريرها لحصد نتائج آنية ولو هلك المجتمع والشعب. وكلنا يذكر ما لقيت الكثير من القرارات من معارضة مؤسساتية وشعبية ومن المنظمات ومن انقسام كبير بين فئة تريد تمريره وفئة عارضته، فكلنا يذكر موضوع محطات الحاويات التي اقتطعت أقساماً من الموانئ لأهم موارده المالية المجهزة بأحدث الآلات، لتُمنح للبعض جائزة مجانية بدلاً من أن يقوم هؤلاء بإنشاء محطاتهم الخاصة في مواقع أخرى تزيد من الطاقة الإنتاجية وتعطي كفاءة من خلال المنافسات. وكلنا سمع بمواضيع التشاركية المزيفة الملحقة بقرارات تعطي منحاً مجانية كمعمل الإسمنت وغيرها. وأي تشاركية هذه وأي منافسة في ظل قوانين تعطي هؤلاء مزايا احتكارية، تشاركية مشبوهة تنافسية فارغة، وكلنا يذكر القانون المشؤوم 17الخاص بعلاقة رب العمل والعامل وما قابله من معارضات ما زالت إلى الآن ولم يتغير، ولكن الآن قد يكون جميلاً إن توفرت النية والإرادة….
الفترة القريبة الماضية كانت ظالمة بقرارات أنانية ملغومة نظّر لها بنهج السوق الاجتماعي الذي كان أكبر ظلم لحق بالبعث، لتغطية هذا المصطلح وما سُلك وما نُفّذ البعث منه براء، فما نُفّذ لم يقترب من هذا النهج وإنما عاكسه، حتى لم يقترب من الليبرالية أو النيو ليبرالية التي تعتمد على (دعه يعمل ودعه يمر) و(السوق تنظم نفسها). الليبرالية التي نظّرت لها الولايات المتحدة وغيرها للحفاظ على مصالحهم بنهب ثروات الشعوب الأخرى وجعلها سوقاً لمنتجاتها، وكذلك لعرقلة تنمية البلدان النامية. وأما في داخل أمريكا والغرب منهم أقرب إلى الاشتراكية باعتمادهم سياسات هدفها توازن مجتمعاتها وزيادة رفاهيته، وحتى إن ناقض استخدام الليبرالية مصالح الولايات المتحدة فهي تقفز فوق القوانين وتمنع حرية المرور عبر المؤسسات الدولية المسلوبة الإرادة والقوة أو حتى عبر القوة العسكرية.
إن الثقافة المتراكمة في سوريتنا قد قُوّضت من خلال السير بهذه السياسات التي كان لها جذور سابقة، وتكرست بهذا الغطاء الذي كان هدفه تشويه التأطير وإلصاق الهزيمة به أمام مناصريه، بسياسات لا يمكن أن تسمى اقتصاد سوق اجتماعي وإنما هي سوء لتشويه المجتمع، سياسات شوهت المجتمع، تأخذ من روح مؤتمر واشنطن بوصلة لمسيرها بانحرافات تخدم القلة من الأشخاص، مؤتمر واشنطن الذي يدعو للحرية الاقتصادية وسحب يد الدولة من التدخل، وتمويل الموازنات من فرض الرسوم والضرائب على عامة الشعب وإرهاقه بالفقر والعوز، فسحب الدعم وفتح الحدود والخصخصة هي روح هذا المؤتمر، فكيف إن طبقت في بيئات غير مناسبة ولا ملائمة؟ أكيد ستكون النتائج كارثية والتشوهات قاتلة….
هذه الرياح أصبحت عواصف بقرارات وثقافات جديدة بعيدة عن القوانين التي ظلت واجهة قليلة التنفيذ ومفرغة من محتواها بالممارسة كما ذكرنا. التنافسية في ظل احتكار القلة ومزايا البعض العابرة للحدود، والتشاركية بين طرفين أحدهما يعطي كل شيء والآخر يحصل على أغلب الموارد، وعلاقات دولية أدت إلى اغتناء القلة على حساب شرائح كبيرة من الصناعيين والحرفيين الذين هجروا صناعاتهم وحرفهم أمام إغراق السوق علناً ببضائع بعض الدول، وترافق ذلك بفساد مسرطن أصبح المعيار لأغلب التعيينات، وغياب المتابعة والمحاسبة رغماً عن المؤسسات، وكل ذلك بتنظيرات مضللة وتصريحات أضلّ، سياراتهم الفاخرة تسير والمنظّرون يكذبون، كان هناك تصريحات حول أي تجربة نقلد؟ الهندية، السنغافورية، التركية، وحتى القطرية، كل هذه التمريقات جعلت المجتمع يشوبه التشوه والفوضى، ويبرر الانحرافات القيمية والأخلاقية وصنع فئات خارجة مارقة تعرقل بناء الأوطان.
ولكن الذي فات – كما يقولون مات، وهمّنا المستقبل القادم، فالدماء التي سالت والدمار الذي لحق بسوريتنا وضعنا أمام خيارين: إما الاستسلام أو التفكير المنطقي السليم الوطني البعيد عن أي تخندقات لا وطنية مهما كانت، والسير بوطن واحد يجب أن يعافى ويعود أقوى، لذلك يهمنا ما نطلق من تسميات على النهج القادم: ليبرالي، اشتراكي، شيوعي، أفلاطوني، ولكن هّمنا وضع برامج متكاملة تكون سورية نقية، تجعلنا نعود إلى سكة البناء والاستمرار بالتفاعل الخارجي، بما يحمي سورية ويقويها ويعيد القوة والانصهار لمجتمعنا السوري، وأن يجري الانطلاق من الواقع بكل تفاصيله، بموارده، بما نحتاجه، والتفكير بعقل وطني مبدع منفتح هو العلاج، فعار أن نتصارع على الإيديولوجية في ظل موت ينتظرنا إن لم نسارع بالعلاج! لا يهمنا سوى شفاء سورية والعدالة الاجتماعية بوصفات سورية تدمج كل الألوان في لوحة واحدة رائعة، ولا نصل إلى هذه اللوحة إلا بعقلية منفتحة على الجميع تغيّر العقلية السابقة القائمة على الإقصاء والإلغاء والتهميش والتطفيش، كل سوري له دور ولكل سوري حق، ولسورية حق علينا أجمعين، التعيينات أسّ القادم، التعيينات على أساس الكفاءات والمهارات لا على أساس المحسوبيات، وآلية التعيين الحالية لن تصل بنا إلى نخب قيادية مبدعة مؤثرة مؤمنة، هدفها بناء دولة مؤسسات ودولة قانون لا محاباة أي آخر، والإحاطة بالفساد للوصول إلى حل وطني جامع يقضي على هذا المرض المتجذر، وكل ذلك لا يكون من دون إصلاح قضائي وتعليمي جذري لا تلميعاً بأقمشة مجربة مستهلكة، فقطاع التعليم أساسي للبناء القادم، وكل ذلك يجب أن يؤدي لدولة مؤسسات قوية هادفة. ولابد من فصل السلطات وإعطائها دورها بحرية منضبطة بناءة هادفة، ووصول الأجدر والأكفأ والأكثر تمثيلاً، و ملء الحياة السياسية بتأطرات لها الحرية التامة ضمن قوانين متفق عليها، وإن للمؤسسات الأهلية أهمية كبرى ودور هام جداً في التواصل والتعاون، للتخفيف من الآلام. إننا بحاجة إلى ثقافة العمل الدؤوب والمنافسة العادلة وتعاون الجميع لمعافاة بلدنا، في ظل قانون فوق الجميع هو بوصلتنا للعمل الدؤوب من أجل سورية قوية جامعة.