ما بعد الدورة الانتخابية لنقابة المهندسين
جرت قبل نهاية العام المنصرم انتخابات هيئات ومجالس نقابة المهندسين، كما العديد من النقابات المهنية، وهي نُظّمت في الحالة القاسية التي نعيشها، وتأثرت بها.
يستحق زملاؤنا أعضاء المجالس النقابية في المركز والفروع وخزانة التقاعد، تقديرنا المنصف للجهود التي بذلوها في السنوات الأربع الماضية، والتي أتاحت استمرار العمل النقابي بالحدود التي سمحت بها ظروف كل فرع. إن تقديم قروض ولو رمزية لبعض أصحاب المكاتب الذين توقفت أعمالهم هو إجراء عزّز دور النقابة وتضامن أعضائها، وهو واحد من إجراءات عديدة ننظر إليها باحترام.
نتساءل الآن، بعد انتهاء الموسم الانتخابي: ماذا ينتظر النقابة بمجالسها وفروعها وأعضائها في الهيئات النقابية المختلفة وفي القاعدة الهندسية الواسعة، في المرحلة القادمة التي تتأرجح بين الأمل في عودة الحياة الطبيعية والقلق من استمرار المعاناة لفترةٍ أبعد؟
إننا ننحو فيما نصيغه إلى تغليب الأمل، دون أن نغفل الاحتمالات الأخرى القائمة.
لا يغيب عن البال أن المهندسين، كما غيرهم من أعضاء النقابات المهنية، هم جزءٌ من مكونات الفئة المجتمعية الوسطى، التي تشكل سعتها ومساهمتها في الأنشطة العامة ومستوى دخول أبنائها بعض المعايير التي يُقاس بها مستوى التقدم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للمجتمع وقدرته على الاستقرار.
في سياق الاستشراف المتفائل (ولكن الموضوعي) لما هو قادم، يبرز تطوير هندسة سورية ذات تقاليد ناضجة وقادرة على التميّز في بعض التخصصات، هدفاً استراتيجياً وطنياً، شأنه في ذلك شأن تطوير الصناعة أو الزراعة أو أي فاعلية إنتاجية. ولعل مشاركة القطاع الهندسي في الاقتصاد الوطني ستغدو أكثر وضوحاً وحجماً وتأثيراً، في مستقبلٍ قريب.
تُشكّل المراجعة النقدية لتجربة خمسة وستين عاماً من عمر النقابة(والممارسة الهندسية عموماً) إحدى أدوات تحقيق الهدف المنشود، وتقع ضمن مسؤوليات القيادات والقواعد النقابية، لتهيئة شروط انطلاقةٍ جديدة منهجية تعطي نتائج أفضل. وهي مراجعة تهدف إلى إضاءة أسباب أخطاء وإخفاق غير قليلة، سُددت أثمان باهظة لها في أحيان عديدة، مما جعل مكانة الهندسة السورية تتراجع، نسبياً، عما كانت عليه في ذروة البناء الواسع الذي عرفناه، بدءاً من خمسينات القرن الماضي، وهي مازالت أدنى مما أتاحته خبرات وتقانات هندسية عالمية، أعطت نتائج أفضل، في دولٍ أخرى، ذات ظروف أقلّ ملاءمةً مما لدينا.
يتقدم بين مهام المهندسين، لتوطيد مكانة مهنتهم واستعادة رصيدها التاريخي،سواء في مواقعهم النقابية القيادية أو أماكن نشاطهم الأخرى، ما يلي:
1- تمكين المهندسين السوريين من حمل العبء الأساس في الجزء الهندسي من أشغال إعادة البناء وكل ما يسبقها ويتفرع عنها، ثم الانطلاق في مشاريع للتنمية مدروسة على نحو أصوب، تأخذ بالحسبان الشروط السورية التي خبرناها. إنها المسؤولية الرئيسية النابعة من الدور الطبيعي للمهندسين في قيادة أعمال ترميم البنية التحتية وتشغيل مشاريع التنمية الصناعية والزراعية والخدمية. وهي مسؤولية ننجح في حملها بقدر ما نتحلى بعقلية تشاركية منفتحة، كجزء مما هو مطلوب من المواطنين السوريين، في جميع مواقعهم.
2- تتوفر أمثلة حيّة عديدة على أن مهندسينا أحسنوا اكتساب الخبرة أثناء تنفيذ المشاريع التنموية الكبرى، وأمكنهم التحول إلى قوة منتجة عصرية، نشيطة ومبدعة يحتاجها مجتمعنا الذي لا يمتلك طاقات اقتصادية كبيرة، وعليه إتقان توظيف واستثمار موارده المحدودة، مع التركيز على تنمية قدرات طاقته البشرية. بيد أن ما حصل ويحصل هو هجرة الكفاءات وتبعثرها، مما يفقدنا رصيداً أنفق المجتمع الكثير لتجميعه وتدريبه وتمكينه.
شارك ممثلو النقابة،خلال الثلاثين سنة الأخيرة، في إبداء الرأي وتقديم النصح بالنسبة للمشاريع التنموية والخدمية، إلى جانب زملائهم الذين أداروا العمل الهندسي كمسؤولين في الوزارات والمؤسسات المختلفة، كما أسهموا، بدورّ بارز، في وضع المواصفات والشروط الهندسية لمهنٍ ومشاريع كثيرة. ولا يمكن إغفال الدور الكبير الذي لعبته نقابة المهندسين في اقتراح المشروع الإسكاني الرائد في ضاحية دمر ودراسته وتنفيذه وغيرها من المواقع.
توجد شواهد عديدة على أن النتائج كانت أفضل حيث اعتمدت الحكومة المقترحات الناضجة التي قدمتها النقابة في جوانب مختلفة، نذكر منها، على سبيل المثال: تكليف المؤسسة العامة للمساحة(بدل شركة أجنبية عريقة)بتهيئة خارطة دمشق بمقياس 1/1000 ومحيطها بمقياس 1/،5000 وهي الخارطة التي كانت أساساً لوضع مخطط دمشق التنظيمي.
كما قاومت النقابة، بشدّة، التوجه نحو شركاتٍ تركية في المجال العقاري، والذي أوقفته الأحداث المأسوية التي بدأت في آذار 2011.
3- برهنت هذه التجارب وغيرها إمكانات التنظيمات الُمصنّفُة ضمن جهات المجتمع المدني، عندما تتكامل بنضوج مع المؤسسات الحكومية ولا تزاحمها.
ينبغي أن تتراجع المفاهيم التي سادت لدى أغلبية القوى السياسية، في بلادنا وخارجها، حول وجوب هيمنتها على المنظمات الاجتماعية والمهنية، ضمن المسؤولية (الثورية) لتأطير المجتمع.
يكمن البديل الواقعي والمثمر لتلك الهيمنة في توفير كل المساحة اللازمة لتطوير فعالية تلك المنظمات وأساليب نشاطها المتنوع.
يمكن إدخال تعديلات على القوانين الناظمة لعمل تلك الجهات، مستقبلاً، ما يؤسس لتعزيز دورها المستقل كمنظمات غير سياسية بالمعنى الدارج، لأن المجتمع يحتاجها بالمحتوى الوطني الاجتماعي، النابع من طبيعتها المهنية النوعية، كشكلٍ مثمر وآمن لاقتسام الوظائف العمومية مع الجهات الأخرى، في صيغة مجرّبة للتعاقد المجتمعي.
4- يستدعي الانطلاق في هذا المسار التطويري تدابير استراتيجية عديدة تُنفّذ في خضم تقويم شامل،واقعي ونزيه للإجراءات والسياسات الإدارية المتّبعة منذ سنين، ومنها:
– الطرق والمعايير المطبقة في اختيار قيادات مؤسساتنا ومشاريعنا، وكيفية تقويم إنجازاتها أو ممارساتها السلبية.
-سوية التعليم الهندسي الحكومي أو الخاص، وما قبله، في تكوين الشخصية الهندسية.
– نوعية التأهيل والتدريب بدرجاتهما المختلفة، ووتيرة إدخال أساليب الإدارة والتقانات الحديثة وتوظيف الخبرات الجماعية والفردية المكتسبة وتعميمها.
– الجمع بين عضوية هيئات نقابية ذات مسؤوليات كبيرة، وبين شَغل مناصب قيادية حكومية(وزير، معاون وزير، مدير عام.. إلخ). إن تركيز المسؤوليات في أيدي أشخاص محدودين يؤثر، سلباً، على سوية العمل المنفذ.
5- عند تقويم وتيرة الزيادة الكبيرة التي نشهدها في أعداد المهندسين ونمو الفروع الهندسية التي تولّد أيضاً فروعاً جديدةً، كل يوم، فإن التنظيم النقابي القائم يصبح في حالة سكون ولا يلبي احتياجات الواقع الراهن والمستقبلي. ولم يعد بالإمكان تحقيق التقدم الهندسي (بالجملة) من خلال نقابة فضفاضة، لا يجمع أقسامها الاختصاصية سوى عناصر قليلة غير حاسمة.
يمكن تفحص الهيكلية التنظيمية المعتمدة والانتقال إلى إيجاد بعض البدائل الممكنة والضرورية، مثلاً: السير بثقة أكبر في تشكيل جمعيات هندسية اختصاصية، نصّت عليها الأنظمة النقابية، بدل الاكتفاء بلجانٍ هندسية معينة من قبل المجالس النقابية،وهي لم تعد كافية لتوفير المتطلبات الراهنة والقادمة لتنمية المعارف والخبرات الاختصاصية.
هذا التعديل الجوهري، سيسمح بأن تكون نقابة المهندسين، واقعياً،اتحاداً لتلك الجمعيات، مع استمرار أدائها لأجزاء أساسية من وظائفها الحالية.
سيحرّض تشكيل هذا الجمعيات على تطوير النشر العلمي الهندسي، أبعد من مجلة (المهندس العربي) التي لا نقلل من الدور الذي لعبته، حتى الآن.
يفيد الاطلاع على تجارب دول عديدة تمتلك مجموعة كبيرة ومتنامية من جمعيات (أو غرف) هندســــــــية تضمّ العاملين في اختصاصات هندسية محددة، وهي تصدر، في كل منها دوريات علمية كثيرة، تتابع، أولاً بأول، جميع الإنجازات المحققة في دولها وفي العالم.
6- آن الأوان لتقويم تجربة المكاتب الهندسية الاستشارية المعتمدة منذ عدة سنوات: ماذا استطاعت تقديمه في مجال رفع سوية الدراسات والإشراف على التنفيذ؟
تستمر الحاجة الماسّة إلى قيام النقابة بتأسيس شركة دراسات هندسية كبيرة متكاملة أو عدة شركات تعمل في ميادين تحتاجها مشاريع التنمية وإعادة الإعمار وتعمل وفق التجارب المتوفرة في دول الجوار وأبعد منها.
تستطيع نقابة المهندسين إحياء المشروع الشبيه الذي جرى التفكير به في وقت ليس بعيداً ، بل يمكنها أن تطبق ،في أماكن أخرى، تجربة (المجبل) الذي سرقته داعش في مدينة الرقة، مؤخراً. وهكذا تشارك النقابة شركاتنا الإنشائية، في عمليات البناء القادمة، وربما تدخل مجالاتٍ حديثة(البرمجيات والاتصالات) التي مازالت حصتنا فيها ضئيلة، وقد يكون مجال تطوير الطاقة البديلة أحد أركان الجهد الهندسي البحثي والتطبيقي، في سورية.
مثل هذا التوسع سيسهم في توظيف خبرات المهندسين وغيرهم في النشاط الاقتصادي الوطني،و سيغذّي خزانة تقاعد المهندسين التي لعبت دوراً حيوياً في فترة الأزمة الممتدة، وأمّنت، حتى الآن، دخولاً شهرية لأعدادٍ متزايدة من المهندسين الذين أغلقوا مكاتبهم لعجزهم عن تحمل نفقات حياتهم العادية.
7- يمكن إعادة النظر في آلية الترقية إلى مرتبة المهندس الاستشاري، خصوصاً، لمعرفة مدى تأثير هذه الخطوة في رفع السوية المهنية والعلمية لمهندسينا؟ هل حققت التجربة ترقيةً حقيقيةً لأداء المهندس السوري أم تحولت إلى إجراء روتيني لا جدوى حقيقية له؟
8- استمرت تجربة الصندوق المشترك، منذ عشرات السنين، دون دراسة تأثيرها الواقعي على مهنة الهندسة. فهي أمّنت، من جانبٍ، دخولاً لبعض زملائنا دون عمل حقيقي، وسهّلت، في الجانب الآخر،احتكار الممارسة المهنية من قبل عدد صغير من المكاتب الهندسية الخاصة. لقد تبدلّت الهيئات والمجالس النقابية والزملاء الذين تسنموا مواقع وزارية وإدارية عالية، مرّات عديدة، بينما استمرت، دون تغيير، المجموعة المسيطرة على دراسة رخص البناء وتنفيذها، في عدد غير قليل من فروع النقابة..
ينبغي أن يُعّد بيع المهندس حصته من أمتار البناء سلوكاً غير مقبول.كما أن الدولة/ المجتمع ليسا مضطرين للإنفاق على تدريس اختصاصيين لا يمارسون مهنهم.
9- في ظلال الصعوبات المالية التي تعيشها النقابة، فإننا نشجع ضغط النفقات غير الضرورية، متوقعين وقف البذخ غير المعقول الذي مورس في فترات ماضية، كشراء سيارات فارهة لأعضاء مجلس النقابة.
حتى لو بدا في بعض ما طرحناه، ابتعادٌ طوباويٌ عن الوقائع الأليمة القائمة، فإن التفكير ببعض تجاربنا الماضية وبآفاق نشاطاتنا المستقبلية يحرّض على القيام بأدوار ممكنة للخروج، بأسرع وقت، من المأساة الوطنية التي نعيشها.
الدكتور المهندس فاروق دريعي