لماذا سكتت الوثيقتان الحكوميتان عن معاناة جماهير الشعب السوري؟!

تقدمت الحكومة إلى مجلس الشعب ببيانها الوزاري.. وأتبعته بمشروع الموازنة العامة للدولة لعام 2015 وبيّنت الحكومة في هاتين الوثيقتين خطتها لمعالجة الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي اتسمت بها سنوات أزمتنا الوطنية التي عصفت باستقرار مجتمعنا.فدماء المواطنين في مختلف المناطق ما زالت تنزف بغزارة، ويستمر التخريب الإرهابي المتعمد لكل ما أنجزته الأيدي العاملة السورية الخيرة في العقود الماضية، وتتساقط منشآتنا الحيوية وقطاعاتنا المنتجة، وبيوت وأملاك المواطنين مهدمة أو محروقة.

لن نعود إلى ما سبق أن كتبناه عن حزمة الأسباب التي مهدت لإثارة غضب جماهير الشعب السوري، والتي كانت وراء التحركات السلمية التي شهدتها المدن السورية، وكيف استغلّت الإمبريالية الأمريكية وحلفاؤها الخليجيون والعثمانيون الجدد هذه التحركات، ودفعتها باتجاه التصعيد العسكري ضد الدولة، لتجهض أي تغيير سلمي باتجاه الديمقراطية في سورية، لكننا وبعد ثلاث سنوات ونصف من اندلاع حرب عبثية أشعلها، ونفخ في نارها الحقد، نؤكد أهمية إنجاح المساعي السياسية الداخلية والخارجية لوقف النزيف، وأن تتوجه جهود المجتمع الدولي إلى المساعدة في لجم المجموعات الإرهابية في سورية، والتي باتت تشكل خطراً دولياً يهدد السلم والأمن العالميين.

البيان الوزاري لأي حكومة يعد خطة سياسية واقتصادية واجتماعية لفترة قادمة، ترتبط بالعمر الزمني لهذه الحكومة، وهو بهذا المعنى يعني تعهداً أمام ممثلي الشعب لتنفيذ ما جاء في مضمونه .

في الدول الديمقراطية يمكن لممثلي الشعب محاسبة الحكومة ومساءلتها..بل إسقاطها إذا ما أخلّت بتعهداتها، أما نحن فما زلنا نطمح إلى دستور يسمح للمجلس التشريعي بمنح الثقة..وحجبها عن الحكومة، وممارسة الرقابة الدستورية الفعلية على عملها وعلى أداء الوزراء.

لقد تعهدت الحكومة في بيانها باستمرار مكافحة الإرهاب، ودعم المصالحات الوطنية، ودعم القطاعات الاقتصادية المنتجة، لكن الهدفين الأبرز اللذين تصدرا البيان الحكومي هما: تأمين عوامل الصمود في وجه الإرهاب التكفيري، وإعادة إعمار ما هدمته تداعيات الأزمة السورية، رغم الظروف الصعبة التي تمر بها بلادنا، والتي أسهب البيان في تبيانها .

رغم الظروف الصعبة التي تعانيها الخزينة العامة، وتراجع الإيرادات العامة، لم يترك البيان الحكومي نشاطاً صناعياً أو زراعياً أو سياحياً أو ثقافياً، إلاّ وتعهد بتطويره، وهذا ما يميّز البيانات الحكومية في البلدان النامية، أما الدول المتقدمة فيكتفي البيان الحكومي ببضعة أهداف تتعلق ببعض الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية التي عانت من ضعف خلال مدة ولاية الحكومة السابقة.

تعد الموازنة العامة للدولة خطة مالية.. اقتصادية..اجتماعية لعام قادم، فهي تعبر عن نهج الحكومة للتأثير في الوضع الاقتصادي والاجتماعي في بلد ما، وهي أداة تستخدمها هذه الحكومة للتأثير في القطاعات الإنتاجية والخدمية، وتنفيذ سياستها الاجتماعية، وتحقيق أكبر قدر من الاستقرار. وتغطي بنود الموازنة العامة نفقات الدولة الجارية موزعة على الوزارات والإدارات العامة، كما تغطي نفقات الدولة في الجانب الاستثماري من خلال تخصيص الاعتمادات المالية للمشاريع الاستثمارية التي تقوم بها، وتبين من جانب آخر كيفية تحصيل الإيرادات العامة من الفئات الاجتماعية والاقتصادية المختلفة، ومن مشاريعها الاقتصادية والعامة، وتؤدي الموازنة في الدول الساعية إلى التنمية الاقتصادية والاجتماعية، دوراً رئيسياً في إعادة توزيع الدخل الوطني بين فئات المجتمع، وذلك باقتطاع نسبة من أرباح ودخول الفئات الأكثر دخلاً وتوزيعها على شكل مشاريع تستفيد منها جميع الفئات الاجتماعية، كمشاريع البنية الأساسية والتعليم، والإنفاق الاجتماعي على الفئات الأكثر فقراً.

إنها الموازنة الرابعة التي تعاني انعكاس السياسة على الاقتصاد، ورغم جهود الحكومات لتدبير الوضع الاقتصادي بهذه الطريقة أو تلك، لكن تراجع الإيرادات العامة بسبب الحصار الظالم، وحالة الركود الاقتصادي وتراجع قطاعاتنا المنتجة التي اتسم بها اقتصادنا الوطني، كان واضحاً في بنود مشروع الموازنة العتيدة، وهذا ما رفع نسبة العجز بين طرفي الموازنة إلى نحو 36%.لكن ذلك لم يؤثر على توجه الحكومة في بيانها المالي نحو هدف دعم  الصمود..وإعادة الإعمار، والذي تجلى بزيادة اعتمادات الموازنة بنحو 164 مليار ليرة عن موازنة 2014 لتلبية النفقات.

إعادة الإعمار.. متى؟

أكدت الوثيقتان الحكوميتان البدء في إعادة إعمار ما خربته تداعيات الأزمة، لكنهما سكتتا عن طريقة تمويل هذه العملية التي تتطلب أولاً وقف الأعمال العسكرية، واعتماد الحلول السياسية للأزمة السورية بجهود سورية ودولية، ومن ثم تأمين الموارد لتمويل (الورشة الكبرى) بعيداً عن التسكع على أبواب الصناديق الدولية، ورهن قرارنا الوطني المستقل.

السؤال الأبرز هنا: بغياب التمويل الداخلي الآتي من نهوض الاقتصاد السوري، هل يمكن الاعتماد على الدعم والتمويل الخارجي لتنفيذ عملية إعادة الإعمار؟ إن بعض السيناريوهات الخارجية المعدّة لإعادة الإعمار تلجأ إلى تضخيم تكاليف هذه العملية، في محاولة لإظهار استحالة تنفيذها بالقدرات الوطنية السورية، لتصل إلى ضرورة الاعتماد على الخارج (القروض المصرفية – قروض البنك الدولي – قروض الشركات الأجنبية المنفذة – المنح المالية المشروطة – قروض وتسهيلات الدول الصديقة)، وهذا السيناريو الذي يجري التسويق له بواسطة مشاريع عربية ودولية متعددة لإعادة إعمار سورية. يجب أن يترافق حسب واضعيه مع توجه اقتصادي يتوافق مع مضمونه، أي بكلمة واحدة: تبنِّي سياسات اقتصادية نيوليبرالية ريعية.. نخبوية، بالاستناد إلى آليات السوق الحر، ومنسجمة مع النماذج التي روّجت لها المؤسسات الدولية، خاصة ما اصطلح على تسميته (توافق واشنطن) بهدف (تسهيل إعادة الإعمار واختصار الزمن).

نعم للدعم..لا للدعم!

البيان الوزاري أكد استمرار الدعم الحكومي لأسعار المواد الأساسية للمواطن السوري، لكنه وعد بـ(عقلنة) هذا الدعم، وهي عبارة ارتبطت بذاكرة المواطنين بتقليص هذا الدعم، ورفع أسعار هذه المواد، وكأن (العقلنة) تعني هنا انسحاب الحكومة من دورها الاجتماعي، إذ ارتبطت هذه العبارة دائماً برفع الأسعار بدلاً من توجيه الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين وهم الفئات الفقيرة والمتوسطة.

في الماضي القريب، وقبل تفجر الأزمة السورية، كان التوجه الحكومي نحو إلغاء الدعم.. وتعويم أسعار جميع المواد عملاً بنصائح الصناديق الدولية، لكنه اصطدم بمقاومة القوى الوطنية.. والنقابات، فأُجِل إلى حين، أما اليوم فيبدو أن هذا التوجه سيجد طريقه إلى التنفيذ تحت وطأة تراجع الإيرادات العامة من جهة، وتنفيذاً لإرادة البعض، تمهيداً لحسم  مسألة التوجه الاقتصادي القادم لمصلحة اقتصاد السوق الحر، وتقليص دور الحكومة في العملية الاقتصادية.

لقد حُرِرّت أسعارُ البنزين والمازوت والفيول الخاص بالقطاعات المنتجة، ورفعت الحكومة سعر الخبز، كذلك فإن مشروع الموازنة رفع إيرادات الخزينة من الضرائب والرسوم غير المباشرة بنسبة 100%. والسؤال هنا: كيف ندعم قطاعاتنا المنتجة وخاصة الصناعية منها إذا حُررت أسعار المازوت والفيول؟ كيف سينعكس هذا الإجراء على صمود المنتجات الوطنية أمام المستوردات؟ وماذا عن حجم الطلب المحلي المتمثل بقدرة المواطنين الشرائية بعد الزيادة الكبيرة في تكاليف الإنتاج وارتفاع أسعار جميع المواد؟ ماذا عن العدالة الضريبية والحكومة تزيد الضرائب غير المباشرة التي يتساوي في دفعها الفقير والغني، وتتقاعس في ملاحقة المتهربين ضريبياً الذين حصــــــدوا المليارات قبل الأزمة وبعدها؟

تجميد الأجور.. وتراجع خطير في القدرة الشرائية للمواطن؟

الوثيقتان سكتتا أيضاً عن القدرة الشرائية للمواطن السوري الذي اكتوى بنيران الارتفاعات المستمرة لأسعار جميع المواد والسلع، والتي تجاوزت وسطياً نحو 350%، بسبب الحصار الجائر وتضرر القطاعات المنتجة وارتفاع سعر القطع الأجنبي الذي تجاوز في بعض الأحيان 400%، مما أدى إلى ضعف الطلب الداخلي من جهة، وازدياد معاناة الفئات الفقيرة والمتوسطة إلى درجة قاربت المجاعة. صحيح أن حل المعضلات الاقتصادية الناتجة عن الأزمة يقوم على قاعدة (السياسي)، لكننا أكدنا مراراً أنه لايجوز تحميل الفئات الفقيرة والمتوسطة وحدها عبء متطلبات الصمود السوري.

إن رفع أسعار المشتقات النفطية، وعدم حل المشكلات التي تعترض الصناعة الوطنية بشقيها العام والخاص، وزيادة الضرائب غير المباشرة، وعدم حسم مسألة التهرب الضريبي (للقطع الكبيرة) وتجار الأزمات، والتهاون في قمع الفساد الكبير قبل الصغير، وتراجع الحكومة شيئاً فشيئاً عن الدعم الاجتماعي للفئات الفقيرة والمتوسطة بحجة (عقلنة) الدعم، وتجميد الأجور، وترك الأسواق لأثرياء الحروب والأزمات والحيتان الكبيرة، يصب في النهاية في استفحال حالة الركود وتأزيم.. وإفقار..الجماهير الشعبية التي تُعد بجميع المقاييس سند سورية في مواجهة الإرهاب التكفيري الأسود.

لماذا سكتت الوثيقتان الحكوميتان عن معاناة جماهير الشعب السوري؟ ولمصلحة من تطبق هذه السياسات؟!

العدد 1194 - 15/04/2026