الحكومة ترسم خطاً في الرمال لتحسين المستوى المعيشي
الأجور لن تبقى كماهي، بهذه العبارة اليتيمة، اختصر وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية همام الجزائري، ما ينتظره ملايين الناس، لسماع ما يطمئنهم بشكل حاسم، لتحسين مستوى معيشتهم. وعقب أزيد من ساعتين من لقائه مع الإعلاميين مطلع الأسبوع الماضي، أتت العبارة المذكورة وكأنها غير مرغوب فيها، وخارج السياق الذي يريده الوزير، فاكتفى بها، ومضى في حديثه الطويل. إلا أن البحث عن جديد معين في اللقاء، نصيبه الفشل، إذ لا توجد رسالة واضحة منه، أو مقولة واضحة يريد الجزائري تمريرها، لأنه تحدث بكل شيء، ولم يقدم شيئاً، أكثر من اللازمة المعهودة: سنقوم ب، سوف نعمل على،..إلخ. ولا ضير في ذلك، فخطة الوزارة وتوجهات الحكومة العلنية، محط نقاش، وتعد الجزء المملوء من الكأس، وهي حالة مقبولة في غياب المكاشفة، واستبعاد الشفافية.
لماذا الأجور؟
هذا ليس سؤالاً ترفياً، ونجانب الصواب إذا تركناه على الحياد، فالأجور ومستوى الدخول الأن قضية القضايا، لاتعلو عليها مسألة اقتصادية، وتدخل في صلب اهتمام الجميع، من قوى فاعلة سياسية واقتصادية وأهلية، فضلاً عن حضورها الشعبي الكاسح. فلسان حال الناس، اليوم، لا يتجاوز مسائل الغلاء والأسعار، وصولاً إلى ضعف الدخل، وتراجع مستوى الأجور. وقلنا أكثر من مرة إن المسألة لا تتعلق بأسعار مرتفعة فقط، بل بأجور منخفضة للغاية، هذه ليست ثنائية متناقضة، ولا تشكل تضاداً وفرقاً جوهرياً. هما قضيتان مترابطتان، ومتلاصقتان، الأجور لا تخرج عن دائرة الأسعار، وكذا يجب أن تكون الأسعار، وما عدا ذلك فهو مخالف لمبدأ الاقتصاد بنفحته الاجتماعية، ولرعاية الدولة الأبوية لعدد من القضايا، وأبرزها المستوى المعيشي اللائق لمواطنيها.
ثمة حقائق واضحة كعين الشمس، تعلمها الحكومة حتماً، تتعلق بضعف القدرة الشرائية لليرة، وفقدانها لنحو 70% من قيمتها، هذا الواقع المخيف، لم تعالجه الحكومة سوى بالوعود، وتركت العاملين بأجر يواجهون التحديات بلا أسلحة اقتصادية، بطواحين الهواء. قبل الأزمة الراهنة، أظهر المكتب المركزي للإحصاء، في مسح دخل ونفقات الأسرة 2009 أن متوسط إنفاق الأسرة 30900 ليرة شهرياً. يومذاك جُنّ جنون عدد من المسؤولين، واعتبروا الرقم ملفقاً، مقابل مسؤولين آخرين كانوا يتحدثون عن تحسن في الدخول نتيجة الإجراءات الحكومية، وهذا هو التناقض بعينه. لكن المدير العام للمكتب المركزي للإحصاء آنذاك الدكتور شفيق عربش، كان مصرّاً ولديه من الحجج الكافية للتأكيد على حيادية الرقم، وأنه ليس وجهة نظر. فوجئ السوريون آنذاك بالرقم، وسألنا: من أين يأتي السوري بهذا الدخل المرتفع؟ الآن التاريخ يعيد نفسه، فالباحث الاقتصادي الدكتور نضال طالب أعد دراسة استند فيها إلى معطيات المكتب المركزي للإحصاء، وخلص إلى أن الحد الأدنى اللازم لمعيشة الأسرة يجب أن يكون 80 ألف ليرة، ولديه من الحقائق والحصافة العلمية ما جعله يدافع عن دراسته، التي أنجزها قبل موجة الغلاء الجديدة. السؤال ذاته يتكرر مرة ثانية: ومن أين يأتي الناس بهذا المبلغ؟ القضية ليست من أين يأتي الناس بالمال، إنما كم تحتاج الأسرة؟ الاتفاق على المبدأ يسبق أي اعتبار أخر، ومن ثم تأتي القضايا الأخرى. حالياً، بإمكان أي ربة منزل تقديم دراسة سريعة لما تحتاجه الأسرة من إنفاق، بفطنتها وفطرتها وتجربتها. لأن الحالة المعيشية الصعبة والمستعصية، فرضت شروطاً جديدة على كل أسرة، ووضعت أوليات جديدة أمامها، ولم تترك لها مجالاً إلا لما يسمى الحد الأدنى والضروري للإنفاق.
في عود على بدء، تتجاهل الحكومة تحسين المستوى المعيشي للمواطنين، ولا تنظر بجدية إلى هذا الملف، المنتفخ جداً، والذي بات ككرة ثلج متدحرجة. الإقرار الرسمي بضرورة تحسين هذا الواقع، يقابله تجاهل رسمي آخر، لايرغب بتحسينه، ولايريد الاقتراب منه، وبالتالي تركه في حالة انحدار مخيفة. ومع كل الصعوبات المالية التي تواجه الحكومة، والضعف الواضح في موارد الخزينة، إلا أن المرور مرور الكرام على المستوى المعيشي، ودون سعي جدي لتحسينه، يخلق قطيعة مع المواطنين، ويجعل من الجزء المغمور من المشكلات يتضخم، ويهدد ما تبقى من استقرار اجتماعي. فالقضية ليست مالاً ينفق، بل ردماً للفجوة المتسعة بين الأجور والحد الأدنى من الحياة اللائقة. وما يرشح من محاولات حكومية لتحسين المستوى المعيشي، عدا التصريحات، يرسم خطاً في الرمال، التي ستأتي لحظة وتصبح متحركة.