قامات وشاهدات

وهكذا، في لحظة مباغتة.. ومؤثرة للغاية، تختصر تفاصيل: الكائنات والأشياء، والشخوص، والأسماء، في كينونة ذات كأنها تحمل دلالة كيانها، الواحد المتوحد، دون النظر إليها على أنها: جزء مهم لكيان جمعي واحد المصير، والنشيد، والرؤية، ومساحة القامة الجمعية الواحدة المشتركة في الكثير من التفاصيل والقيمة والإبداع، تلك التفاصيل التي ارتقت في الشاهدات إلى علو، كذلك، واحد مشترك، وعال في الخصوصية الاستثناء التي جمعت بينهم، في تلك الشاهدات التي ضمت نثارات تلك الخصوصية المبدعة، بما أبدعته قامة الدم، وقامه الشعر، على حد سواء فوق تراب يقدس قيمة الكلمة الطلقة، كما يقدس قيمة الطلقة الصائبة عندما تتجه إلى هدفها وغايتها ومسارها دون عبثية، ولا انحراف عن المسار المطلوب للفعل المقاوم، على مستوى الطلقة والكلمة، ضمن تلك الجغرافية/ الاستثناء، في التاريخ الراهن والمعاصر، جغرافية فلسطين الوطن والقضية والأمة، التي جعلت من الدم واحد القيمة، فوق ترابها، وبطاحها، ومن الشعر واحد القيمة فوق ترابها، وبطاحها، دون النظر إلى نوعية الدم وفصيلته، وقطريته، ودون النظر إلى نوعية الشعر ومستواه، وأهميته، حماسياً كان، أو جماهيرياً، أو فلسفي الدلالة والرمز، إلا أنه في النهاية، واحد الدلالة والمضمون، واحد الهدف والتعبير، عندما يكون من أجل فلسطين، عندئذ تتوحد الأصوات في نشيدها الجمعي الهادر، وتتوحد القصائد في أهدافها وغاياتها، وتتوحد الشاهدات في علوها وارتقائها لتصبح شاهدة واحدة تذهب بعيداً في مساء تكنّ لتلك الشاهدة المثلى نوعاً خاصاً من التقديس والتقدير، لأنها تجمع في استثنائها الخالد المطلق: سميح القاسم وإيمان حجو، وتوفيق زياد وآيات الأخرس، ويوسف العظمة وإحسان كم الماز، وفارس عودة والشيخ صالح العلي، وسلطان باشا الأطرش وفواز عيد، والقائمة تطول!

يرحل الكيان، ويبقى الفعل، طلقة مقاومة، وقصيدة مقاومة.. خالدة، ويافعة البهاء في استمراريتها، وتعاقب تردادها الأبدي، صحيح جداً، أن الصوت يغيب، ويبقى صداه المدوي بقيمة مبناه ومعناه، ودلالاته، ومضامينه كل حسب قدرته على العطاء والإبداع، ولكن ذاك التكامل الإبداعي الخالد لفلسطين ظل، كما ذكرنا، ذاك النشيد الجماعي الخالد، المتوحد شكلاً ومضموناً، وإثارة، ووجداناً، وتشاركية مصيرية واحدة، تجاه الأرض الرمز، والشعراء الذين يمثلون زيزفون الأرض، وملح ترابها، وروعة مغناها الشجي العظيم!

ومع التقدير المطلق للأصوات جميعها، فخصوصية الشعر والأداء والقيمة تبقى في عيون النقاد المبدعين! صوت آخر يرحل، وشاهدة أخرى تنهض، وطفولةفلسطينية راحلة، تتقيأ صمت العرب والعالم تحت خطاها المتعثرة بأجنحة العصافير الراحلة معها إلى حيث الخلود والملكوت الأعلى، والشاهدات تنتصب بقاماتها أبعد من حدود السماوات الممتدة بلا نهايات، شاهدة قصيدة، وشاهدة طلقة، وشاهدة عصفورة، وشاهدة سنبلة، وشاهدة وطن، وشاهدة أمة، وفي النهاية تلتقي الشاهدات على مسافة واحدة من العلو والسمو، والارتقاء للفردوس العالي البعيد.. بعد ما نحن فيه، على بعد العالي الذي لا ندركه إلا بالبكاء والرثاء والذكريات! ولأننا عاطفيون حد المستحيل، فسنقف أمام شاهدة واحدة تختصر الشاهدات الباقية، وعند صوت واحد يختصر الأصوات الأخرى، وشجرة زيتون واحدة تختصر الشجر جميعه، علماً أن سقوط ياسمينة وحورة، وكبادة، وصفصافة، وصنوبرة، وسنديانة يوازي في قيمته ومعناه سقوط شجرة الزيتون تلك، وكلمة أخيرة في هذه المرثية الموجعة، أن نلتف حول المبدعين جميعهم بالقوة ذاتها، والحب ذاته، ولكل كائن خلق مقاوماً فوق هذا التراب، لأن الكينونة الواحدة تمثل الوطن مجتمعاً، والأمة واحدة، في خندق الخلود المقاوم.

العدد 1195 - 23/04/2026