هل تحرمنا الحكومة من حق التفاؤل؟

لابد من التفاؤل، مطلع 2015 لأنه لا خيار أمامنا سواه، وليس الاتكاء على وعود الحكومة، بأن هذا العام سيكون أفضل من غيره، إذ ورد في جلستها الأولى من العام الجاري: (وعلى الرغم من تدني مؤشرات أداء القطاع الخدمي،…، هناك إجراءات قامت وستقوم بها الحكومة لرفع مؤشرات قطاع الخدمات). وما نتمناه أن تثبت لنا الحكومة، وتضعنا في خانة المخطئين بحقها، وتنفذ وعدها، وتحقق بعضاً من طموحاتنا، وتقيم وزناً لمطالبنا.

ليس من باب التندر، توجيه اللوم إلى الحكومة لفشلها الذريع في معالجة بعض الملفات الاقتصادية، وليس من قبيل تسجيل النقاط عليها لعدم نجاحها في إيجاد حلول للمشكلات التي ترهق حيواتنا، لكن لابد من الإشارة إلى المطبات التي اصطدمت بها الحكومة، والحفر التي وقعت فيها. وفعلاً يصعب إيجاد نجاحات مهمة للحكومة في معرض قراراتها الاقتصادية، لأنها لم تقترب من قضايا الناس، إلا وكانت مواقفها بعيدة عن تطلعاتهم وهمومهم، ولم تعالج مشكلة إلا ووضعت مصلحة المواطن في ذيل اهتمامها. كما أنها لم تفرق بين توصيفها كحكومة حرب، وتعاطيها مع المسائل كحكومة اعتيادية.

في عود على بدء، أهدرت الحكومة وقتاً طويلاً، وخلقت أزمات اقتصادية، بينما كان من المنتظر أن يكون دورها حل المشكلات ومعالجتها. موقفها المتذبذب وغير الواضح من المحروقات أساء إليها، وجعلها في دائرة الشك. وتبين أن هذه الحكومة تسعى من خلال زيادة أسعار المحروقات أن تعمل كتاجر في السوق السوداء، تضع سعراً مرتفعاً، لا يضاهيه سعر، مستغلة فرصة استحواذها المطلق على ملف المحروقات، إدارياً واقتصادياً وتجارياً. ويبدو أنها تحاول التعويض عن النقص الشديد في مواردها بالذهاب إلى المطارح التي لا يستطيع المواطن تجاهلها، أو أنه لايملك حق الاعتراض فيها. المشكلة الأساسية اليوم ليست في كم هو سعر المحروقات؟ بل في مدى توفر المادة أساساً؟ أما لو لم تكن غاية الحكومة الربح، على حساب الفقراء ـ إذ إن الفارق بين السعر العالمي والرسمي يتجاوز 43 ليرة لليتر الواحد لمصلحة الأخير ـ لما جنحت بهذا الملف نحو الليبرالية المتوحشة، واكتفت بخلق توازن منطقي وعادل بين السعر وتوفر المادة، إلا أنها فضلت رفع السعر، وتجاهلت فقدان المادة، ما خلق سوقاً سوداء، قاتمة، متوحشة، قضت على أي من عوامل الثقة والتشاركية مع المواطن.

هذا أنموذج، واقعي، مهدت له الحكومة، وجعلته معياراً لعملها، ومقياساً لسلوكها العام. في الوقت ذاته، تبين أنه أنموذج، يودي إلى الحتف، ويقضي على الأمل، ويسهم في خنق التفاؤل، ويجعل من الاقتصاد تحفة قديمة، أو ذكرى طيبة. وبحكم المؤكد، أن الحكومة تعي ذلك، ولا ينقص الوزراء القدرة على قراءة الواقع بدقة، لكنهم يغردون خارج المطلوب، ما يثير التساؤل حول انتهاج مثل هذه السياسات والخطط الاقتصادية التي تلحق الضرر بالناس؟ سعران للمازوت، أليس في ذلك تمهيد معلن لممارسة الفساد؟ وهل تظن الحكومة أنها تستطيع فرض السعر الأعلى للقضاء على ازدواجية الأسعار؟ كان بإمكانها أن تضع السعر الأعلى، دون ادخالنا في المتاهات، هذه طرق قديمة، وبالية، لم تعد تنفع لمعالجة الوضع الاقتصادي المزري. وهذا الواقع لم يعد مقبولاً، وعفا عليه عنه الزمن، ولابد من استنباط طرائق جديدة، واقعية، تعبر عن تطلعات المواطنين، وتعالج همومهم بشفافية. وربما يكون مطلع هذا العام فرصة جديدة للتفاؤل، المستند إلى حق المواطن على حكومته، وواجباتها تجاهه، ومساحة إيجابية تردم الفجوة المتسعة بينهما، ونقطة تحول مهمة في العلاقة التي تربطهما، إلا إن رأت الحكومة مدى الحاجة الملحة لحرمان المواطن من التفاؤل!

العدد 1194 - 15/04/2026